الأثنين 22-يناير-2018

حوار مع "البعث العربي" على تخوم " المركز الموحد للمعارضة"كتب : عمار عوض

حوار مع "البعث العربي" على تخوم " المركز الموحد للمعارضة"

كتب : عمار عوض

ازال البيان المشترك الذي صدر امس من قيادة الحركة الشعبية والحزب الشيوعي السوداني والداعي للعمل المشترك من اجل تصعيد العمل الجماهيري السلمي لإسقاط النظام، وقيام المركز الموحد للمعارضة ، الكثير من الضباب الذي كان يعتري طريق قطار وحدة القوى المعارضة لنظام " البشير" في سيره نحو استعادة السلام بكل استحقاقاته ، ومخاطبة الازمة الانسانية في مناطق الصراع الملتهبة ، عبر خيار الحكم الديمقراطي الحق كنموذج للحكم الامثل لبلد مثل السودان .

نبرة الارتياح لهذا البيان المشترك التي سرت في وسائل التواصل الاجتماعي ، منبعها الاول و الاخير ، يكمن في اقرار الطرفين بالعمل مع "الاخرين" لانهاء تعدد المراكز لعمل المعارضة السودانية ( قوى الاجماع الوطني ، نداء السودان ) خاصة وان الطرفين عضوين مؤثران بمقدار معين داخل كلا التحالفين ، اللذان شهدنا تجاذبا بينهما في الفترة الاخيرة ، والذي انتهى بفصل احزاب مؤثرة داخل تحالف قوى الاجماع نتيجة لذلك، بالرغم من اقل المحللين السياسيين شانا ، يكاد يرى ان هذا الشقاق وتعدد مراكز العمل المعارض يصب من ناحية او اخرى في صالح "نظام البشير" الذي يسعى الطرفان لخلعه من الحكم ، ودفعوا في سبيل ذلك الكثير من الدماء والارواح ، الى جانب وجود عشرات المعتقلين على طول الازمة السودانية يتقدمهم الان العشرات من ابناء دارفور وجبال النوبة والنيل الازرق ، ولن يكون اخرهم المهندس صديق يوسف والسباعي وطارق عبد المجيد من الحزب الشيوعي و المناضل محمد ضياء الدين عضو القيادة القطرية واكرم عبدالوهاب وهشام من حزب البعث العربي حيث يكمل الاخيرين في هذا اليوم نحو 50 يوما في الاعتقال .

ان وحدة مركز المعارضة التي كانت هاجسا شخصيا لي وقد عبرت عنه في كثير من الكتابات ، تجعلني في هذه اللحظة ادعو لحوار عقلاني مع قيادة وعضوية حزب البعث العربي ، خاصة وانه كان الاعلى صوتا عبر كثير من التبريرات الرافضة لصيغة تحالف " نداء السودان " الذي ضم كل القوى السياسية المعارضة الفاعلة من تنظيمات تزاوج بين الكفاح المسلح والعمل السلمي مثل " الحركة الشعبية ، والحركات السياسية المنطلقة من دارفور بشقيها تحرير السودان والعدل والمساواة ، الى جانب تنظيمات تعتمد العمل السلمي مثل حزب الامة والشيوعي والمؤتمر والتحالف السوداني و..الخ".

تأسيسا لهذا الحوار يجب تثبيت نقاط مهمة جدا ، وهي ان حزب البعث العربي يعد من طليعة الاحزاب المقاومة لنظام الجبهة الاسلامية عبر كل تحولاته منذ مطلع التسعينات والى الان ، وان هذا الحزب كان له دوره في النضال الشرس ان لم يكن له القدح المعلى في محاربة ديكتاتورية الرئيس جعفر نميري وطاغية عصرنا الحالي عمر البشير ، سواء كان ذلك عبر التعبئة الجماهيرية بالكتابة على الجدران ب"الاسبري" الاسود ايام نميري بشعاراتهم المعهودة "لن يحكمنا البنك الدولي" او عبر الدماء القانية التي سكبها فرسان رمضان الاشاوس " البلولة والكدرو وغيرهم " وهو العهد الذي سار عليه كل عضوية هذا الحزب على امتداد سنوات التسعينات ، ان كان ضمن تاسيسه مع الاخرين التجمع الوطني الديمقراطي ، او منفردا بعد خروجه عنه ، او عبر الصيغة التي وافق عليها التنظيم في مؤتمر جوبا والتي كونت "تحالف قوى الاجماع الوطني" الذي يتمسك به البعثيون الان بشكل خاص.

وعلى ذكر التجمع الوطني الديمقراطي ، دعونا نستحضر هنا ما قاله المفكر العظيم الدكتور جون قرنق في اللقاء الذي جمع بين وفدي الحركة الشعبية وحزب البعث ، على هامش المؤتمر الثاني للتجمع الوطني الديموقراطي يوم يوم الاحد 10 /9 / 2000 وحضره وفد الحزب ( مع حفظ الالقاب ) المرحوم محمد علي جادين ويحي الحسين ومحمد وداعة الله وسعيد حمور ومحمد سيد احمد عتيق .. ووفد الحركة الشعبية جون قرنق ومنصور خالد وياسر عرمان ونيال دينق وبازرعه واخرين.

واقتطف هنا ما قاله الدكتور جون قرنق بالنص من محضر هذا الاجتماع " جون قرنق : هناك ضرورة لان يبدأ المرء من مكان ما، تذكرني بالمقولة الفرنسيه : حيث سئل الفرنسي عن سبب تحية الفرنسيين للمراة بتقبيل يدها فرد قائلا : " ياسيدي يجب ان نبدأ من مكان ما" .. لحزب البعث الحق في ان يسمي نفسه بالعربي لان له الحق في التعبير عن العروبه كواقع وكحقيقه.. لا اعتقد ان هناك تصور لوحدة السودان له اساس واضح ومكتمل حتي الان.. السودان متعدد ومتنوع يحتاج لهوية مشتركه.. الوحدة الحالية وحدة مفروضه لمصلحة قوي السودان القديم، لذلك نحن طرحنا شعار سودان جديد يشترك فيه الجميع. نحن لسنا ضد العروبة والاسلام، كما اننا لسنا ضد الهويات الاخري.. من اجل بناء السودان الجديد مستعدون للعمل مع الجميع.. العروبة في السودان واقع ومن حقها ان تعبر عن نفسها ولامانع من العمل معها .. كذلك اذا جاء النوبة او البجه او غيرهم باسمائهم لانمانع من العمل معهم.. السودان له خصوصياته المتنوعة المتشابكه، وامامنا قضية كبيره يجب ان نتصدي لها : كيف يمكننا استقطاب وتعبئة كل الاقوام والجماعات حول سودانيتها؟ نظرتنا للسودان الجديد تنطلق من الهوية السودانيه واحترام التعدد والتنوع .. التجربة الامريكية تفيدنا كثيرا في ذلك، فالامريكيون عبارة عن مجموعات عرقية وثقافية كثيره، فهنالك مثلا ايرلنديون امريكان، وافارقة امريكيون، وامريكيون عرب الخ .. ولكن ترتبط كل تلك المجموعات بالهوية الامريكيه .. والمطلوب الان ليس مصالحة من اجل تقسيم كراسي الحكم او اقتسام كعكة السلطه كما كانوا يقولون عقب انتفاضتي 1964 و 1985 ، وانما اعادة هيكلة التركيب السياسي والاقتصادي" (النص الكامل لمحضر اجتماع حزب البعث مع الدكتور جون قرنق تجدونه في الاسفل)

وكانما التاريخ يعيد نفسه ، فالكثير الذي يدور في اذهان كثيرين من طرفي قوى الهامش المؤمنين بافريقانية السودان ، واعضاء هذا الحزب المؤمنين ببعث العروبة ، ان هذا الاختلاف المنهجي هو سبب الشقاق والبعد ، ولكلا الطرفين اهدي المقطع اعلاه من المفكر قرنق ، في ان نقبل بعضنا البعض كل برؤيته دون انتقاص ، متوحدين حول الهدف الاسمى الا وهو اسقاط نظام الطاغية البشير واستعادة السلام والديمقراطية .

وعطفا على قول الفرنسيين القائل " ياسيدي يجب ان نبدأ من مكان ما" دعونا ايها الاصدقاء والرفاق في حزب البعث نبدأ البحث عن جزر هذا الشقاق ، اولى النقاط المركزية في الخلاف مع قوى نداء السودان ، هو إتهام البعث القائل ان قوى "النداء" تعمل من اجل "الهبوط الناعم- التسوية السياسية" والدخول في تسوية مع النظام برعاية امريكية عبر "حوار الوثبة" وهو الاتهام الذي ظل يردره الجميع طوال الثلاث سنوات الماضية ،بحسب قول الزعيم على الريح السنهوري في حوار مع "صحيفة الجريدة ابريل 2015 "، لكن اذا نظرنا للواقع الان ، نجد ان هذا الاتهام جانبه الصواب ، فالبشير الان يطوي صحف حواره المزعوم ، وسيعلن حكومته في الاسابيع القادمة ، وليس فيها اي من قوى "نداء السودان "والمبعوث الامريكي "يلملم اوراقه " ليغادر منصبه مع خروج اوباما من البيت الابيض الاسبوع القادم ، اليس في هذا مدعاة لاعادة النظر من جانب حزب البعث ، ليجدد ثقة اعضائه في رفاقهم من احزاب المعارضة الاخرى ؟.

نقطة الخلاف الثانية تتمثل في قول البعث انه يعتمد العمل السلمي والجماهيري المجرب سعيا للعصيان المدني وصولا للانتفاضة التي خبرها الشعب ويناى بنفسه عن العمل المسلح لاسقاط النظام لما فيه من تكلفة عالية في الارواح وعدم وضوح النهايات ، يجدر بنا في هذا المقام ان نذكر قيادة البعث واعضائه ، ان الطريق للثورة الشعبية يبدا بالوحدة اولا ، وليس هناك ابلغ من قول الشاعر "العربي" " ان الرماح اذا اجتمعن تكسرا .. واذا افترقن تكسرت احادا" ، وغني عن القول ان الجهد الذي ينتظم القوى السياسية " المسلحة والسلمية " لوحدة مركز المعارضة ، بعد ان ضخ "شباب العصيان" الدم في شرايين العمل السلمي ، ما هو الا بداية لنفس الثورة الشعبية المجربة التي يسعى لها الجميع ، وراينا كيف تدافعت قيادات تنظيمات الكفاح المسلح لدعم قوى العصيان المدني ، وجهدها الكبير لانجاحه عبر عضويتها ، بل انه صار جندا اساسيا في ادبياتها ، وانها ستعمل من اجل انجاح اي تجربة قادمة له ، والتزامها الواضح بوضع سلاحها حال زوال هذا النظام ، وان احتفاظها ب"بندقيتها" الى الان لا يتعدى موقع الدفاع عن المدنيين في مناطقها ، في ظل هجمات الجنجويد و طغمة عسكر البشير ، ان بشائر السعي لوحدة المعارضة التي تنتظم البلاد الان للوصول الى الثورة الشعبية والعصيان المدني ادعى للبعثيين للانتظام في هذه الوحدة لتحقيق "هدفهم المعلن العصيان والثورة الشعبية" لانو مش معقول يكون "الجيران صبروا وحضروا يقوم اهل البيت يكفروا !".

وبين ساقي الاختلاف والشقاق هاتين ، توجد شعبة اخرى يلتف حولها قادة البعث ، وهي اختلاف المواثيق ، ما بين "البديل الديمقراطي" الذي يتمسك به قادة هذا الحزب ، واعلان باريس ونداء السودان والفجر الجديد" حيث يلمح البعث الي ان بعض بنود الاخير تحتمل انشقاق جزء اخر من السودان على طريقة ذهاب جنوب السودان ، ويرمي باتهام الحركة الشعبية بانها تستقوى بهذه التحالفات لتحقيق مكاسب في التفاوض بعيدا عن الحلفاء ،(نفس المصدر السابق حوار السنهوري مع الزميلة سعاد الخضر صحيفة الجريدة ابريل 2015)، هذا القول كان يمكن ان يكون حمال اوجه في السابق ، لكن الوضع الذي افرزه "عصيان 27 نوفمبر" في موقف الحركة الشعبية الذي اطلعنا عليه في بيانات قادتها " يقطع دابر حاجز الثقة هذا " حيث اعلنت الحركة بوضوح ان سقفها الحالي هو اسقاط النظام ورحيل البشير كاولوية ، حيث جاء في بيان قيادة الحركة الاخير يوم 1 ديسمبر : " االآن نطور مواقفنا إتساقاً مع عصيان 27 نوفمبر الي مستوى جديد ونطرح تنحي الرئيس والإتفاق على ترتيبات إنتقالية كهدف تتفق عليه كافة قوى التغيير، وأن لا حوار الا في ظل ترتيبات إنتقالية جديدة تحت نظام جديد وإننا سنتمسك بعدم مناقشة أي قضية سياسية مع قادة النظام مجدداً فيما عدا معالجة الأوضاع الإنسانية على أساس القانون الإنساني الدولي" ومعلوم ان الحركة ملتزمة سياسيا مع جماهيرها في المناطق التي تسيطر عليها للجلوس مع الوساطة الافريقية من اجل مناقشة القضية الانسانية فقط وايصال الاغاثة ، وكما صبرت قوى نداء السودان ومن بينهم "الحركة الشعبية" لاتهامات الغير "بالهبوط الناعم 3 سنوات" ولم يتحقق هذا الاتهام فمن باب اولى ، ان يبني معهم حزب البعث جدارا جديدا من الثقة على خلفية تصريحها ان ادنى سقف سياسي لها الان هو رحيل البشير والعمل من اجل الانتفاضة السلمية ، فهل بالامكان "ان نبدا من هنا "؟

الاكثر قراءة