الأثنين 19-فبراير-2018

محاور الشَر الثلاثة / محمود الجاف

نشر الدكتور تريتا بارسي الأستاذ في جامعة جون هوبكينز الحاصل أيضًا على الماجستير في العلاقات الدولية وماجستير أخرى في الإقتصاد من جامعة ستكوهولم كتابهُ (التحالف الغادر) الذي تأتي أهميتهُ من خلال كم المعلومات الدقيقة التي كشف عنها وعن طبيعة العلاقات بين ( إسرائيل . إيران . أمريكا ) خلف الكواليس شارحًا طرق الإتصال بينهُم من أجل تحقيق المصالح المُشتركة .

ويكتسب الكتاب أهميتهُ من خلال المصداقية التي يتمتّع بها هذا الرجل الخبير في السياسة الخارجية للولايات المُتحدة والذي يرأس المجلس القومي ( الإيراني . الأمريكي ) وهو الوحيد تقريبًا الذي يستطيع الوصول إلى صُنّاع القرار في البلدان الثلاث . تناول العلاقات بينهُم خلال الخمسين عام الماضية وتأثيرها على السياسات وموقع أمريكا في الشرق وتناول موضوع التعاملات الثنائية بينهُم . يستند إلى أكثر من 130 مُقابلة مع مسؤولين رسميين رفيعي المُستوى ومن صنّاع القرار . إضافة إلى العديد من الوثاق والتحليلات والمعلومات المُعتبرة والخاصة . شرح الآلية التي تتواصل من خلالها حكومات تلك الدول التي تصل من خلال الصفقات السريّة غير العلنية إلى تحقيق مصالحها على الرغم من الخطاب الإعلامي الإستهلاكي الغير حقيقي للعداء الظاهر بينهم .

تلك العلاقة التي تقوم على المصالح والتنافس الإقليمي والجيو- استراتيجي وليس الأيديولوجي والخطابات والشعارات التعبوية الحماسية ...الخ . وفي إطار المشهد الثلاثي لهذه الدول تعتمد إسرائيل في نظرتها إلى إيران على عقيدة الطرف الذي يكون بعيدًا عن المحور فيما تعتمد إيران على الهيمنة التي تطال الجيران القريبين منها . وبين هذا وذاك يأتي دور الأمريكي الذي يتلاعب بهذا المشهد خلال مسيرته للوصول إلى أهدافه الخاصّة والمتغيّرة تباعًا .

وعلى عكس التفكير السائد فإن إيران وإسرائيل ليستا في صراع أيديولوجي . ويكشف الكثير مما يجري بينهم خلف الكواليس ويؤّكد أنهم لن يستخدموا أو يطبّقوا الخطابات النارية فهي في وادٍ والتصرفات في وادٍ آخر . لان إيران ليست خصمًا للولايات المُتّحدة وإسرائيل كما كان الحال بالنسبة للعراق بقيادة صدّام وأفغانستان بقيادة طالبان . فطهران تعمد إلى تقليد اللاعقلانيين من خلال الشعارات والخطابات الإستهلاكية فقط . فهي تستخدمها ولكنها لا تتصرف بناءًا عليها بأسلوب من شانه أن يزعزع نظامها . وعليه فيُمكن توقع تحركاتها لأنها لا تشكّل خطرًا لا يمكن احتواؤه عبر الطرق التقليدية الدبلوماسية . وإذا ما تجاوزنا القشور السطحية التي تظهر من خلال المهاترات والتراشقات الدعائية سنرى تشابهًا مثيرًا بينهما في العديد من المحاور وسنجد أنّ ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما . فكلتاهما تميلان إلى تقديم أنفسهما على أنّهما متفوقتين على جيرانهم العرب إذ ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم اقل منهم شأنًا من الناحية الثقافية والتاريخية وأن وجودهم ساعد في تحضّرهم وتمدّنهم ولولاه لما كان لهم شأن يذكر .

وفي المقابل يرى الصهاينة أنّهم متفوقين على العرب بدليل أنّهم انتصروا عليهم في حروب كثيرة ويقول أحد المسؤولين في هذا المجال لبارسي إننا نعرف ما باستطاعتهم فعله وهو ليس بالشيء الكبير ويقصد الإستهزاء بقدراتهم . ويشير الكتاب إلى أننا إذا ما أمعنّا النظر في الوضع الجيو- سياسي الذي تعيشه كل من إيران وإسرائيل ضمن المحيط العربي سنلاحظ أنهما يلتقيان أيضا في نظرية ( لا حرب . لا سلام ) الصهاينة لا يستطيعون إجبار أنفسهم على عقد سلام دائم مع من يظنون أنهم اقل منهم شأنًا ولا يريدون خوض حروب طالما أنّ الوضع لصالحهم لذلك فان هذه النظرية هي السائدة في عقولهم . في المقابل توصّل الإيرانيون إلى هذا المفهوم من قبل واعتبروا أنّ ( العرب يريدون النيل منهم )

والطرفان منفصلان عن المنطقة ثقافيًا وسياسيًا . إثنيًا الإسرائيليين محاطين ببحر من العرب ودينيًا محاطين بالمسلمين السنّة . والإيرانيين محاطين بمجموعة من الأعراق غالبها عربي خاصة إلى الجنوب والغرب وطائفيًا ببحر من المُسلمين السنّة وحتى ضمن الدائرة الإسلامية اختارت إن تميّز نفسها عن محيطها عبر إتّباع التشيّع بدلًا من المذهب السني السائد والغالب . ويؤكد على حقيقة أنّها وإسرائيل تتنافسان ضمن إطار نفوذهما وبأنّ هذا التنافس طبيعي وليس وليد الثورة في إيران بل كان موجودًا حتى إبان حقبة الشاه .

ويكشف الكتاب إنّ اجتماعات سرية كثيرة عقدت بين إيران وإسرائيل في عواصم أوروبية اقترح فيها الإيرانيون تحقيق المصالح المشتركة للبلدين من خلال سلة متكاملة تشكل صفقة كبيرة كان منها اجتماع ( مؤتمر أثينا ) في العام 2003م والذي بدأ أكاديميًـا وتحول إلى منبر للتفاوض بين الطرفين . ويكشف أيضًا وثائق ومعلومات سرية جدًا وموثقة يؤكد فيه أنّ المسؤولين الرسميين الإيرانيين وجدوا أنّ الفرصة الوحيدة لكسب الإدارة الأمريكية تكمن في تقديم مساعدة أكبر وأهم لها في غزو العراق العام 2003م عبر الإستجابة لما تحتاجه مقابل ما ستطلبه منها على أمل أن يؤدي ذلك إلى عقد صفقة متكاملة تعود العلاقات الطبيعية بموجبها بين البلدين . وبينما كان الأمريكيون يغزون العراق في نيسان من العام 2003م كانت تعمل على إعداد اقتراح جريء ومتكامل يتضمن جميع المواضيع المهمة ليكون أساسًا للتفاوض في حل النزاع الأمريكي - الإيراني . وتمّ إرسال العرض أو الوثيقة السريّة إلى واشنطن .

لقد عرض الإقتراح السرّي مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها في حال تمّت الموافقة مع إنشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أمريكية - إيرانية بالتوازي للتفاوض على خارطة طريق بخصوص ثلاث مواضيع : أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي . إنّ هذه الورقة هي مجرّد ملخّص لعرض تفاوضي إيراني أكثر تفصيلًا كان قد علم به في العام 2003م عبر وسيط سويسري يدعى (تيم غولدمان) نقل إلى وزارة الخارجية الأمريكية بعد تلقّيه من السفارة السويسرية أواخر نيسان من العام 2003م . وتضمّنت الوثيقة السريّة الإيرانية لعام 2003م والتي مرّت بمراحل عديدة بعد 11 أيلول 2001م ما يلي :

1 . عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار وإنشاء مؤسسات ديمقراطية وحكومة غير دينية )

2 . توفر الاطمئنان وتؤكد بأنّها لا تطوّر أسلحة دمار شامل مع الإلتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ودون قيود .

3 . التزامها بتحويل حزب الله إلى حزب سياسي مُنخرط بشكل كامل في الإطار اللبناني .

4 . قبولها بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمّة بيروت عام 2002 أو ما يسمى ( طرح الدولتين ) والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع إسرائيل مقابل انسحابها إلى ما بعد حدود 1967م .

أما المفاجأة الكبرى فهي تتمثل باستعداد إيران اعترافها بإسرائيل كدولة شرعية !! ولقد سبّب ذلك إحراجًا كبيرًا لجماعة المحافظين الجدد والصقور الذين كانوا يناورون على مسألة تدمير إيران لإسرائيل ومحوها عن الخريطة . ويشير إلى أنّها حاولت مرّات عديدة التقرب من الولايات المتّحدة . ومن المفارقات الذي يذكرها الكاتب أيضا أنّ اللوبي الإسرائيلي في أمريكا كان من أوائل الذين نصحوا الإدارة الأمريكية في بداية الثمانينيات بأن لا تأخذ التصريحات والشعارات الإيرانية المرفوعة بعين الإعتبار لأنها ظاهرة صوتية لا تأثير لها في السياسة الإيرانية.

هذا الكتاب من أروع وأهم الدراسات والأبحاث التي كتبت في هذا المجال لأنه يكشف جزءًا مهما من العلاقات السريّة بين هذا المثلّث الإسرائيلي – الإيراني – الأمريكي . ولا شك إنّه يعطي دفعًا ومصداقية لأصحاب وجهة النظر هذه والذين حرصوا على شرح هذه الوضعية دون أن يملكوا الوسائل المناسبة لإيصالها للنخب والجمهور على حدٍ سواء ولكن ما لم يتم ترجمته للعربية ووصوله للقارئ سيظل الكثير من شعوبنا يعيش في أوهام النصرة والنجدة الإيرانية للقضايا الإسلامية والعربية وعلى رأسها قضية فلسطين !!
2018 . 02 . 06

 

الاكثر قراءة