الأثنين 19-فبراير-2018

الماس / محمود الجاف

يَتشكل الماس في عُمق 150 كم تَحت سَطح الأرض أو يَزيد ويَحتاج إلى دَرجات حَرارة وضَغط عالٍ جدًا ومدّة زَمنية طَويلة تُقَدر بِمَلايين السِنين . يَخرُج إلى السَطح مَع الحِمَم البُركانية عندَ انفِجارها لنَجد في النهاية أحجارًا لامِعَة بَراقَة تَأسَر الفُؤاد بِجمالِها باِلإضافة إلى خَصائِص أخرى جَعلت لهُ قيمَة عالية ماديَة وَمَعنَوية ويُعَد مِن أهم الأحجار التي تُستَخدم لصناعة المُجوهرات والحُلي .

وُلدَ النبي مُحمد صلى الله عليه وسلم يَتيمًا وَعاشَ فَقيرًا وَعُذِب وكُذبَ وطُعِن في عِرضِهِ ووُضِعَ سَلا الجَزور على ظَهره وعند ذهابِه للطائِف ضَربوه وأدموا قَدمَيه فَدَعا الله أن يُخرجَ من أصلابهم من يَنصُر هذا الدين ... رغم انه ذهب لإنقاذهم مِن بَراثِن الشِرك .

هل لكَ أن تكونَ مِن الأوائل ؟

عبارة كان يعرضها صلى الله عليه وسلم على الناس في بداية الدعوة وكان ذو الجَوشَن الضَبابي أحدهم حين كان عدد المُسلمين أربعة فقط لكنهُ قال : لا . إنما أنتظر فإن انتصرت آمنت بِك وإلا فلا أريد أن أُقتل مَعك . ولعلَه كان يقول في نَفسه : ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل ؟ أنى يَنتصِر دين يدعوا لهُ هؤلاء ؟ وكَيفَ يَسودُ مبدأ تُقاتل في سَبيله هذه القلة ؟ ومَضَت الأيام فإذا هم جَيش جَرار يفتح مَكَة وساعَتئذ وقفَ يُعلنُ إسلامَه نادماً وهو يقول : " يا ليتني كُنتُ خامِسهُم ". كَثير من الناس لسان حالهِم حال ذو الجوشَن : يُدعَون ليكونوا مِنَ الأوائل فيختاروا الإنتظار . وحتى لا تَندم احرِص أن تكونَ مَعهُم . لأن الله عز وجل يقول : " وَنكتُبُ ما قَدموا وآثارهُم ". أما ما قدموا فَمعروف : أي عَملهُم . فما هي آثارهُم ؟ إنها ما يبقى للإنسان بَعد مَوته وعندما تُفارقه روحهُ لكن عَداد حَسناتِه يَظل يَعمل مِما تَرك مِن عَمل صالح مِصداقاً لقول النبي صل الله عليه وسلم :" إذا ماتَ ابن آدم انقطَعَ عَنهُ عَملهُ إلا مِن ثلاث : صَدقة جارية أو عِلم يُنتفَع به أو وَلد صالح يَدعو له ".

عندما نَطَّلِع على التاريخ ونَرى القامات العالية التي ثَبتَت وصَمَدَت نَخجَل مِن أنفُسنا كَماشِطَة بنت فِرعَون مَثلا فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ ؟ فَقَالَ : هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلادِهَا قَالَ : قُلْتُ : وَمَا شَأْنُهَا ؟ قَالَ : بَيْنَما هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ : بِسْمِ اللَّهِ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ : أَبِي ؟ قَالَتْ : لا ، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ قَالَتْ : أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ ! قَالَتْ : نَعَمْ فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا فَقَالَ : يَا فُلانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا قَالَتْ لَهُ : إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ : وَمَا حَاجَتُكِ ؟ قَالَتْ : أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا قَالَ : ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ قَالَ : فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ قَالَ : يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ .

أنجَبَت تلكَ الأيام رجال ونساء صَدقوا ما عاهَدوا الله عَليه نَشروا العَدل والحَق والنور والهِدايَة والأخلاق والأمان والأمانَة والسَعادَة وهكَذا هيَ تَدور ويَشاء الله أن يُعيد بِنائهم مِن جَديد ولكِن هذهِ المَرَة بِعَين رِعايته فَمُحَمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولهذا سَيخرج من بين بَراثِن هذا الحُزن والألم والدُموع والمَوت جيل يُعزِ الإسلام وأهلهُ وَيُعيدوا الحَق الذي ضاع ويقتَصوا مِن الرِعاع .

يَبكِي رِجَالٌ عَلَى الحَيَاةِ وَقَدْ ...... اشْتَقْتُ يَا قَوْمِي إِلَى قُرْبِ الأَجَلْ
مِن قَبلِ أَنْ تَعْرُضْ لِقَلْبِي فَتْنَةٌ ... فَتَصْرِفُهُ عَنْ طَاعَةِ المَوْلَى الأجَلْ

كَثُرَت الفتن وتتابعَت تَموجُ يرقُقُ بَعضها بَعضًا . فلا تَحزَنوا لِتَجمُع أحزاب هذا الزَمان عَلينا واغتنموها فُرصَة لِدفق الأمَل في قُلوبٍ أحبَطَها اليأس وَالحُزن وَالهُموم وَابشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُكُم فَعُمر الإسلام طَويل وَآفاقَهُ أوسَع مِن أوطانَنا وَلَيسَت المَصائِب ضَربَةَ لازِب لا تَحولُ وَلا تَزول وَالله عَزَ وَجَل لا يَعجلَ لِعَجَلتنا وَلِنتذَكَر ما أبقى لَنا مِن خَير وَما تَطوَلَ بِه عَلينا مِن فَضل .

في الغار وَسَيدَنا رَسولُ الله صَلَ الله عَليهِ وَسَلَم يَنظُر إلى أقدامِ المُشرِكين قالَ ( لا تَحزَن إنَ اللهَ مَعَنا ) وَكانَ مُطارَداً وَيُبشِرُ سُراقَة بِأنَهُ سَيَلبَس سِوارَي كِسرى . وَفي الخَندَق إعترَضَتهم صَخرةٌ لم يَستَطيعوا تَحطيمها فأخبَروه صلى الله عليه وسلم فَضَربَها وهو يقول الله أكبر أعطيتُ مَفاتيحَ الشام والله إني لأبصِرُ قُصورَها الحَمراء الساعَة . ثُمَ ضَربَها الثانية وَقال : الله أكبر أُعطيتُ مَفاتيح فارس والله إني لأبصِر قَصر المَدائِن الأبيض . ثُم الثالثة وَقالَ : الله أكبر أعطيتُ مَفاتيحَ اليَمَن وَالله إني لأبصِرُ أبوابَ صَنعاء مِن مَكاني هذهِ الساعَة فَتَكسَرَت .

لا تَجعَلوا للناس مَواسِم لِفَتحِ الجِراح وَالنُّواح عَلى مَآسينا وَتِعداد المَصائِب وَالتَوجُع لِما يَحلُ بِنا فَلَن يَكون عِلاجَها بِالوجوم وَالتَحازُن بَل بِالرأي السَديد وَالعَمل الرَشيد وَالشَجاعَة أمامَ الخَطأ وَلو إنا قَتَلنا كُلَ فَرحَة وَأطفَئنا كُلَ بَسمَة وَلَبسنا الحُزن وَتَلفَّعنا بِالغَم وَتَدَرَّعنا بِالهَم ما حَرَّرنا شِبراً وَلا أشبَعنا جوْعَة وَلا أغَثنا لَهفَة وَإنَما وَضَعنا ضَغثاً على إبالَة وهكَذا الإعتِصام بِالله فَقَد كانَ إذا أصابَهُ غَم لَجأ إلى الصَلاة يَشكو إلى رَبَهُ وَيُناجيهِ فَهُوَ يَهوي إلى رُكن شَديد .

فَيا مَن وَقَعتَ في شِدَة إرفَع يَدَيكَ إلى السَماء وَادعو وَالله يَعصِمُكَ مِنَ الناس

قالَ الشاعِر
ألا قولوا لِشَخص قَد تَقَوى
عَلى ضَعفي وَلَم يَخشى رَقيبا
خَبَئتُ لهُ سِهاما في الَليالي
وَأرجو أن تَكونَ لهُ مُصيبا

إن كُل ما رأيناه ونَراه هو الضَغط والألم الذي يشبه الظُروف التي تَصنَع الألماس لتُميز الخَبيثَ مِن الطَيب والحَجر الكَريم مِن الصوان مِن التُراب فلا تَهنوا ولا تَحزنوا فَقد وَعَدَنا الله بِنَصرِه إنهُ لا يُخلفُ الميعاد . قال تَعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) البقرة .

أليسَ اللهُ بِكاف عَبدَه ؟ فَلِماذا نَشكو إلى الناس وَنَبُثُ الهَزيمَة في مَجالِسِنا وَاللهُ يَقول ( قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُون (َ 64 ) الأنعام
صَدقَ اللهُ العَظيم

اللهمَ أحيينا ما عَلِمتَ الحَياة خيرًا لنا وتَوفنا ما عَلمتَ الوَفاةَ خيرًا لنا وإذا أردتَ فتنَة قَوم فاقبِضنا إليكَ غَير مَفتونين ولا مُبَدلين وَلا مُغيرين ياربَ العالمين .

أليسَ فينا أشعَثَ أغبَر ذي طِمرَين يَرفَعُ يَديهِ إلى الله في ظُلمات الَليل وَيُخبِرُهُ شَكواه

قال تعالى : (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) يوسف 21
2018 . 02 . 13

 

الاكثر قراءة