الأحد 21-يناير-2018

تأثير الاحتلال على منظومة القيم الاجتماعية للمجتمع العراقي

لا نأتي بجديد عندما نقول إن الإحتلال في أي زمان و مكان يترتب عليه تداعيات كارثية، حيث أنه يشكل الركن الأساسي في عملية أنهيار المجتمعات. ووقوعها في براثين فوضى تقود الى سلوك هدام يهدم القيم الإجتماعية بمختلف اشكالها و مسمياتها،

و بالتالي يؤدي الى نتائج مأساوية التي تتعرض لها البلدان المحتلة هي تكون مجتمعات ضعيفة هشة تتفكك بها كل البنى الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية والثقافية.


ما سنحاول أن نسلط الضوء عليه من خلال هذه المقالة هو الجانب الثقافي وكيف عمل الإحتلال بشكل منظم من أجل تحطيم المنظومة القيمية المتكاملة لبلد وشعب يمتلك أرثاً حضاريا متراكم منذ الاف السنين في عمق الزمن، ومن خلال ما سبق سنحاول الوقوف عند بروز الخطاب الديني المسيس، حيث شهد العراق بعد إحتلاله عام 2003 موجات من الخطاب الديني المدعوم من دول إقليمية والمخابرات الدولية المتناحرة هذا أدى الى بروز العديد من الأحزاب والمليشيات ودعاة الفتن والتكفير، أشتدت معها دعوات تسيس الدين، وظهور الجماعات الدينية السياسية التي أتخذت طريق الأرهاب للبروز إعلامياً وإثبات الوجود السياسي في العراق وظهور عادات غريبة على المجتمع العراقي، ثم التطرق الى التدمير الممنهج للمنظومة التعليمية وأنعكاساتها على منظومة القيم المجتمعية للمجتمع العراقي.


أولا : أستخدام الخطاب الديني المسيس


الخطير ببروز خطاب الديني على الساحة العراقية بعد الإحتلال، هو أنه يهدف الى تحقيق مصالح معينة (ليس لها علاقة بالدين الإسلامي وتعاليمه الحنيفة).


عبر إذكاء أراء قد لا تنبع كلها من صحيح الدين قرآناً وسنة، كما إن بعض هذه المواقف قد تقوم على قياس خاطئ بعيد عن ما ينص عليه القران الكريم والسنة النبوية الشريفة.


ما يهمنا في هذا الموضوع هو إن الطرف الأمريكي قد يكون في البداية وخصوصاً في حرب العراق غير واعي بمدى حساسية التدخل في مجتمعاتنا العربية وتطوير الخطاب الديني فيها. خصوصا إن نطاق الاجتهاد للبعض وخروجه عن أسس الشريعة الصحيح كثير في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية خصوصاً وهذا عبر تراكم طويل. أما اليوم فان أستخدام الخطاب الديني وتطويره أصبح الأساس لكل النخب السياسية التي أنتجها "الربيع العربي".


حيث أصبحت القوى الغربية ذو المصالح والأطماع الأجنبية بمنطقة الشرق الأوسط على وعي ودراية بما يمكن أن يسببه من مشاكل وفوضى في المنطقة بعد التجربة العراقية وكيف ممكن أن يقود البلد إلى دوامة الحرب طائفية، لا بل ذهبت الولايات المتحدة الأمريكية لدعم الجماعات الأسلامية في المنطقة.


وأثبت أستخدام الخطاب الديني أنه أخطر أنواع الأسلحة الفتاكة في تفكيك المجتمعات. لما ينتج عنه من صراعات وصدامات بين أنظمة الحكم ذات التوجهات الدينية من طرف وشعوبها سواءاً أكانوا معارضين أو مؤيدين لهذه الأنظمة ذات التوجهات الدينية، والمحصلة "الفوضى الخلاقة" كما يسميها الغرب لينشغل العرب والمسلمين بالإقتتال الديني والطائفي والعرقي والمذهبي، بدل التفكير بقضايا الأمة العربية والإسلامية المصيرية وهذا ما شهده العراق بعد أحتلاله من قبل القوات الأمريكية في 2003 وأنتقل سريعاً إلى باقي أرجاء الوطن العربي بما عرف "بالربيع العربي".


كانت النتيجة تغيب منظومة القيم المجتمعية والأخلاقية في المجتمع العراقي الى بروز ظواهر غريبة ودخيلة للمجتمع العراقي. برزت مثلاً بين بعض الشباب المراهقين ظاهرة " الأيمو "، فيها أعراض خطيرة قد يصل بها الى حد الإنتحار، وهذا نتيجة اليأس والإحباط الذي يؤدي للأستسلام احياناً أو قد يؤدي الى الحماس والرغبة في الثأر والإنتقام أحياناً أخرى.


وهذه الظواهر الغريبة والخطيرة التي ظهرت بالمجتمع العراقي كانت بسبب اللعب على الناحية النفسية فمسلسل العنف والتفجيرات مستمر ومتزايد وهو يتخذ اشكالاً متعددة تبتدئ بالعنف الإجتماعي ونقصد به "التعامل السلوكي" بين الأفراد وصولاً الى العنف السياسي عبر عدم الإستقرار الدائم وأستخدام أسلوب "الترهيب والعنف" من الإعتقالات والإعدامات والتعذيب الجسدي والنفسي للسجناء ووضع المواطن بدوامة اليأس والإحباط فلا النظام يريد أن يتغير ويترك الخيار للشعب ولا الولايات المتحدة الأمريكية ستغادر المنطقة وتكف تدخلاتها فيه، وهذه الحالة تسبب نوع من مشاعر الضغط النفسي المستمر على المواطن العراقي الغاية الأساسية من كل ما سبق هو ضرب المعنويات والإرادة التي توصل الفرد الى الإستسلام والعجز في مواجهة ما يحدث، وهذا الدرس لم يكن للعراق وحده بل على نطاق الوطن العربي ككل.


ثانيا : تدمير المنظومة التعليمية بالعراق


بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أتضح بشكل واضح نية الأمريكان بتدمير الأرث الثقافي للعراق. إذ عملت الولايات المتحدة الأمريكية على أحداث تغيرات جوهرية في منظومة التعليم العراقي بهدف تغير البنية الذهنية لشعبه، يعود ذلك الى ما قبل الحرب عبر وضع برامج وأسس سيقوم عليها التعليم في العراق بعد الحرب وذلك عبر تذويب الطبيعة الوطنية والقومية للتعليم في العراق، ولتسهيل مهمة الإحتلال في تمزيق اللحمة الوطنية والشعور بالإنتماء الحضاري للأمة العربية الذي كان للشعب العراقي بطولاته في بناء مجد هذه الامة عبر التاريخ .


عموماً اليوم العراق بمفترق الطرق فقد أخذ مسار أخر برز بعد أمتصاص الصدمة حيث أدرك الشعب العراقي بكافة مكوناته وأطيافه أن عدوهم واحد رافضين لكل أنواع الظلم والطغيان التي أستخدمت بحقهم. عبروا بشكل واضح عن مدى وعيهم بغايات الأحتلال عبر تفريغ شحنات إنفعالية ضد العملية السياسية وبعض ممن أستخدموا نطاق الخطاب الديني كوسيلة للوصول الى أهداف ومصالح إجتماعية وسياسية واقتصادية عبر المساس بالقيم المجتمعية الأصلية المتجذرة بالشعب العراقي، والتي عصفت وأثرت سلباً على البلد .


ونقول بنهاية هذه المقالة طالما هنالك وعي وأدراك من الجماهير العراقية بغايات الإحتلال فان كفة الأمل تبقى موجودة بتغير الوضع الحالي وقلب الموازين من جديد وتصحيح كل المشاكل التي يتعرض لها مجتمعنا العراقي.


يحتاج مجتمعنا اليوم الى إعادة الثقة بقدراته لتحقيق النصر والنهضة والتقدم من جديد، وذلك عبر أصلاح منظومة القيم ونفض الغبار عنها وممكن تحقيق ذلك عبر البدء بالعمل على تصحيح جانبين مهمين ويؤثران بشكل كبير على منظومة القيم المجتمعية لأي مجتمع هي :


1. أصلاح منظومة التعليم فهي الجهة المسئولة عن توعية الأجيال القادمة بهويتهم الحضارية والوطنية بكل أطيافها ومذاهبها.


2. التعاون المشترك بين رجال الدين وشيوخ العشائر العربية الأصيلة التي ساهمت ببناء المنظومة المجتمعية بالعراق، وواجهت الإحتلال البريطاني من قبل عبر زرع القيم العربية والإسلامية الأصيلة بعيداً عن أستخدام الخطاب الديني المراد منه تحقيق منافع شخصية وسياسية أو إقتصادية.


3. تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وإعادة بنائها بشكل صحيح بوضع قوانين تنظم هذه المنظمات لغرض تثقيف المجتمع وتعميق مفهوم "المواطنة" في خضم الظروف الإستثنائية التي يمر بها العراق اليوم، فهي مطالب ملحة لكل الساعين لبناء دولة عراقية وطنية تصون الحقوق الأساسية للمواطنين العراقيين هذا حتماً سيؤدي الى مواجهة المستقبل بقدر أكبر من الثبات للوصول الى بر الأمان ومواجهة المرحلة القادمة... والله ولي التوفيق

الاكثر قراءة