الأحد 21-يناير-2018

ماهي مفاصل التغيير المطلوبة في العراق (الجزء الثاني)

تحدثنا في الجزء الأول عن طريقة سانت ليغو للأنتخابات المطبقة في العراق منذ عام 2005 ، في هذا الجزء نتحدث عن بقية الطرق ، والطريقة الأمثل التي تلائم الواقع على الأرض لتطبيقها في بلادنا . حيث تعتبر الأنتخابات النيابية الطريقة الأهم التي تتداول من خلالها السلطة في النظم الديمقراطية ، بل أصبحت في نظر المجتمع الدولي الطريقة الوحيدة لمنح الشرعية لأية سلطة ، بحيث أصبحت الفترة الانتخابية من أهم الفترات في حياة الشعوب السياسية والأسلوب الأنجع للوصول الى التطبيق الأمثل للديمقراطية ، وتحقيق تطلعات الشعوب نحو الحياة الكريمة الحرة الأمنة . أن تنظيم أية عملية إنتخابية يجب أن تعد بطريقة محكمة ليكون البرلمان ممثلا لجميع المواطنين بأمانيهم وتطلعاتهم وتوجهاتهم المتعددة ومصالحهم المتفاوتة أو حتى المتعارضة ، هذا الأمر لا يتحقق الا بأعتماد النظام الانتخابي المناسب للدولة يكون أقرب الى الأمثل لتحقيق متطلبات الشعوب ، ليصل الى البرلمان نواب يمثلون مختلف الأتجاهات السياسية والتيارات الكائنة في المجتمع ، حيث أن الظروف التاريخية ، الثقافية ، الإجتماعية ، السياسية ، الإقتصادية مختلفة بين الدول لذا إختلفت فيها نظم الإنتخابات ، بسبب التكوين الأجتماعي والتقدم الحضاري للشعوب ومدى تطبيق الديمقراطية في نظامها السياسي القائم .
تلعب النظم الإنتخابية دورا هاما في تحديد نتائج الإنتخابات وتحقيق الأغلبية للإتجاه السياسي الذي يقود الحكم ، وحيث أن النظم الأنتخابية ليست حيادية أنما تمارس تأثيرا كبيرا في تمثيل القوى السياسية ونمط الحكم في البلاد ، لذا فإن إختيار إحدى هذه النظم ليس لأسباب تقنية وفنية ونظرية فحسب ، إنما يؤخذ بنظر الإعتبار النتائج المتوقعة للإنتخابات حسب الإتجاه السائد في الدولة ، فتعمل الأغلبية الحاكمة دائما على تبني النظام الأنتخابي الذي يحقق لها مصالحها (1) ، سنحاول تسليط الضوء على عدد من النظم الأنتخابية :

(1)​د . عصام الدبس , النظم السياسية , الكتاب الاول , دار الثقافة للنشر والتوزيع , الاردن , عمان , 2013ط2 , ص 220
1 .​النظام الأنتخابي المباشر : يقوم الناخب بموجب هذا النظام بإنتخاب أعضاء البرلمان مباشرة دون وسيط بدرجة واحدة ، أي دورة إنتخابية واحدة . وتعتبر هذه الطريقة الأقرب الى المفهوم الحقيقي للديمقراطية تأخذ بها أغلب الدول المعاصرة لأنها تمكن القاعدة الشعبية العريضة من ممارسة دورها في إختيار أعضاء البرلمان ، حيث يصعب الضغط عليها لضخامة عددها وتزيد من شعور الناخب بالمسئولية الملقاة على كاهلهم ، ومن المفروض أن يرفع لديهم الإدراك والوعي السياسي وتفهم الشؤون العامة وهذا ما يحققه الأنتخاب المباشر ، أخذ بهذه الطريقة الدستور الألماني لعام 1919 ودستور النمسا لعام 1920 .
2 .​النظام الإنتخابي غير المباشر : بهذه الطريقة تكون الانتخابات على دورتين أو أكثر ، يتولى الناخب أنتخاب (مندوبين) يشكلون مجمعا إنتخابيا ، يتولى المندوبون إختيار أعضاء البرلمان من بين المرشحين في مرحلة ثانية ، أما اذا كانت الأنتخابات بثلاثة مراحل فإن المندوبين الذين تم إختيارهم من ناخبي الدرجة الاولى ، يتحولون الى ناخبين للدرجة الثانية فيقومون بإختيار المندوبين الذين يختارون أعضاء البرلمان في المرحلة الثالثة من العملية الإنتخابية (1) ، ويعاب على هذه الطريقة حصر أنتخاب أعضاء البرلمان في ايدي عدد محدود من المندوبين رغم تمتعهم بالقدرة على إختيار أصلح العناصر من بين المرشحين ، بدعوى أنهم أكثر تأهلا للقيام بهذه المهمة من ناخبي الدرجة الأولى ، وأكثر خبرة في المجال السياسي ، وطبقت هذه الطريقة في فرنسا في الفترة من سنة 1958 لغاية سنة 1962 ، حيث تم انتخاب الجنرال شارل ديغول رئيسا للجمهورية وتطبق حاليا على درجتين في إنتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية .
3 .​الانتخاب الفردي : يقوم الناخبون في دائرة إنتخابية معينة بإنتخاب نائب واحد يمثلهم في البرلمان , حيث يقسم إقليم الدولة الى دوائر إنتخابية صغيرة بحيث يتطابق عدد مقاعد البرلمان مع عدد الدوائر .

(1) د. فيصل شطناوي , النظم السياسية والقانون الدستوري ,دار الثقافة للنشر والتوزيع , الاردن , عمان , 2005 , ط 2, ص 180
والنظام الإنتخابي الفردي يمكن الناخبين من معرفة المرشحين معرفة شخصية تمكنهم من اخيار الأفضل ، ويكون البرلماني أوثق صلة بالناخب يمكنه من نقل مشاكلهم ورغباتهم الى البرلمان وتحقيق ما يمكن تحقيقه ، لتجنب مساوئ نظام الإنتخاب بالقائمة ويمكن تعديل هذه الطريقة بأن تكون عدد الدوائر الأنتخابية بعدد المحافظات والأقضية بحسب تسمياتها في كل دولة بدلا من أن تكون بعدد النواب برفع تمثيل النائب لكل (100) مائة ألف ناخب لتقليل كلفة العملية الانتخابية .
4 .​الإنتخاب بالقائمة : يقوم الناخبون في كل دائرة إنتخابية بإنتخاب عدد من النواب يمثلونهم في البرلمان ، حيث يقسم إقليم الدولة الى عدد من الدوائر الإنتخابية الكبيرة بأن تكون كل محافظة دائرة إنتخابية أو يكون إقليم الدولة دائرة إنتخابية واحدة ، يتم الأنتخاب بنظام القائمة بعدة اساليب : الاقتراع للوائح المكتملة بالتصويت على القوائم المغلقة ، يلتزم الناخب التصويت للقائمة حسب ترتيب أسماء المرشحين دون أن يكون له حق في التعديل , واللوائح غير المكتملة بالمزج بين القوائم , فالناخب لا يكون ملزما بالتصويت على إحدى القوائم المتنافسة أنما له الحق بتشكيل قائمته الإنتخابية بالجمع بين أسماء المرشحين في القوائم المتنافسة وفي حالة إعتماد الانتخاب النسبي يمكن للناخب التصويت مع التفضيل بتغيير ترتيب أسماء مرشحي القائمة الواحدة وعدم الإلتزام بالترتيب الوارد في القائمة ، الذي يمثل رأي الحزب السياسي أو القائمة المترشحة , هذه الطريقة إحدى أهم طرق خداع الناخبين حيث ينتخب الناخب المرشحين كما يريد الحزب أو الجهة السياسية بوضع أسم شخصية معروفة على رأس القائمة ، ثم يوضع اسماء شخصيات غير معروفة ، حيث تتولى قيادة الاحزاب خداع الناخب وتوجيه صوته الى الوجهة التي يريدونها فيدخل الى البرلمان أشخاص بأصوات القائمة والتسلسل الذي أختاره رئيس الحزب أو الجهة السياسية للمرشحين في القائمة ، فيكون الفائز خاضعا خضوعا تاما لتعليمات وتوجهات هذه القيادات الحزبية أو السياسية على حساب مصلحة الوطن والناخب ، بينما يرى البعض أن هذه الطريقة تدفع الناخب الى المفاضلة بين البرامج الإنتخابية والبرامج السياسية للأحزاب والكتل السياسية ، يمكن أن يكون هذا الرأي صائبا في الدول المتقدمة حيث يكون التنافس عبر البرامج الإنتخابية التي تدغدغ حقوق الناخبين وتطلعاتهم , ويكون الناخب في هذه الدول على درجة عالية من الثقافة والمسئولية في وضع صوته في المكان المناسب للبرنامج الانتخابي ، الذي يحقق مصالحه أولا ، ثم البرامج الأخرى التي تخص السياسة الخارجية للبرنامج الأنتخابي التي تأتي لدى هؤلاء الناخبين في المرتبة الأخيرة وهذا ما هو سائد في أوربا ، ولا يمكن في هذه الدول شراء ألأصوات بالمال أو الهبات العينية كما يحدث في دول العالم الثالث ، وهذا ما لاحظناه في الأنتخابات البرلمانية العراقية لدورتي 2006و2010 ، أما النقد الموجه الى طريقة الأنتخابات الفردية فهي أنها تؤدي الى المفاضلة على أساس الصلات الشخصية والعائلية والدينية ، ولا يكون لهذه المفاضلة تأثير على سير العملية الديمقراطية إذا وضعت شروط للناخب التي سنتطرق اليها عند مناقشة مجمل آليات العملية الإنتخابية .
5 .​النظم الإنتخابية غير الرئيسية : الى جانب ما تقدم توجد نظم إنتخابية غير رئيسية يمكن الأخذ بهما معا أو بإحدهما :
أ‌-​نظام تمثيل المصالح والمهن : يهدف هذا النظام الى تمثيل المهن والمصالح للدفاع عن حقوقهم ومهنهم ومصالحهم ، طبق هذا النظام في فرنسا في القرن الثامن عشر وفي السويد في القرن التاسع عشر وفي النمسا في القرن العشرين ، ويطبق حاليا في مجلس لوردات بريطانيا وفي مصر بموجب دستور 1971 ، بتمثيل العمال والفلاحين بنسبة 50% من أعضاء مجلس الشعب ولا يزال مطبقا فيها ، ومطبق في الاردن من خلال مجلس الأعيان بموجب الدستور الاردني ، ويكون تمثيل المهن والمصالح إما عن طريق تحديد نسبة معينة من المقاعد البرلمانية لهم ، أو بإنتخاب أحد مجلسي البرلمان في الدولة من اصحاب المهن والمصالح ويكون المجلس الآخر لتمثيل الأتجاهات السياسية ، أو تعيين عدد قليل منهم بقرار من رئيس الدولة كما هو الحال في مصر على ان لا يزيد عددهم عن عشرة اعضاء ، ويعاب عليه بأنه يؤدي الى حماية أصحاب المهن والمصالح أو التنافر بينهم أو تعارض مصالحهم مع مصالح الدولة العليا ، مما أدى الى تراجع هذا النظام .
ب‌-​ نظام تمثيل الأقليات الدينية والعرقية : يرى البعض أن هذه الأقليات لا تستطيع الوصول الى البرلمان بأصوات ناخبيها إذا لم يتم تحديد مقاعد لهم في دوائر انتخابية معينة ، ولا يحق لغيرهم من الترشح في هذه الدوائر الإنتخابية المخصصة لضمان فوزهم بأصوات ناخبيهم ، وفي بعض الدول تتيح لهم الترشح في الدوائر الأنتخابية الأخرى مثل لبنان والاردن .
أستعرضنا في بحثين النظم الأنتخابية وفي البحث القادم سنتناول أن شاء الله آليات العملية الإنتخابية ... للحديث تتمة
الدكتور ودود فوزي شمس الدين

 

الاكثر قراءة