الأثنين 22-يناير-2018

دروس الثاني من آب 1990  تملي علينا حكمتها وتجاربها المرة

هيئة تحرير موقع الجبهة

في مثل هذا اليوم الثاني من آب 1990 تمر الذكرى السابعة والعشرين لدخول القوات العراقية الى الكويت. وبغض النظر عن اسباب ودوافع ومبررات ذلكم الدخول العسكري ، الا انه يشكل بنتائجه وتداعياته المتلاحقة، الحدث والتاريخ الابرز في تاريخ العراق الحديث والمنطقة بأجمعها، لإهميته بما انجر عنه من احداث متتالية لم تتوقف حتى هذه اللحظة.

ولا زال هذا الموضوع، موضع جدل واختلاف كبيرين بين العراقيين ، وبين العرب ايضا، ولا يمكن التوقف عنده بسرعة عابرة او بموقف محدد ونهائي، ولا حتى بتجاهل دروسه الكبيرة والعميقة على كافة الصعد الوطنية والقومية والعالمية.

لقد كشفت السنوات المرة ، التي اعقبت الحدث كم هي فداحة السياسات والمغامرات التي استفزت العراق حينها ودفعته ينجر الى ذلكم الفعل العسكري، بعد محاولات سياسية قام بها، وفي الوقت الذي كشفت عنه السنوات والعقود الثلاث الاخيرة ان اطرافا عربية ودولية واقليمية كثيرة، غير العراق، كانت متورطة في مثل ذلكم الاستفزاز للعراق، ودفع الامور الى حافة الصدام والهاوية، وما انجر عنها.

لقد دفعت عملية دخول القوات العراقية الكويت، الى خلق حالة، وليست هي كل الحالة المسؤولة عن ما جرى بعدها، فرغم اعلان العراق اسعداده للانسحاب من الكويت، خلال الاشهر الاربعة التي سبقت الحرب على العراق، اذا ما تم التفاوض مع الحكومة العراقية، لرفع المسببات التي دفعته الى ذلك، الا ان اصرار ادارة الولايات المتحدة بقيادة بوش الاب وحلفائها على رفض كافة مقترحات ومطالبات العراق ، ومن ثم شن العدوان الثلاثيني على العراق ليلة 17 كانون الثاني 1991 قد شكل سابقة دولية في تدمير بلد والاجهاز على كامل بنيته التحتية ومن ثم محاصرة شعبه لمدة 13 سنة، في اطول حصار اقتصادي وسياسي دولي جائر وبتسليط عقوبات طالت حياة الملايين من العراقيين وانتهت بمأساة شن الحرب الغزو في 2003 على العراق واحتلاله .

والحدث لازال مستمرا الى هذه اللحظة ولو باشكال وادوار مختلفة اكدت للعالم ان القضية العراقية لم تكن مرتهنة باخراج القوات العراقية من الكويت، ولا حتى بتغيير النظام الوطني القائم آنذاك في العراق، ولا التخلص من اسلحة الدمار الشامل التي اتهم العراق بحيازتها او امتلاكها، بل تكشف بكل وضوح بعد زوال الحجب عن العقول العيون، للشعب العراقي والعالم أجمع، ان محصلة ما جرى ويجري الى اليوم هو ابعد من ذلك بكثير.

ويكفي النظر الى خارطة ومواقع الاحداث والتغيرات السياسية والعسكرية والامنية والاجتماعية للوصول الى استنتاج اكثر فهما وتفسيرا مقنعا، الا وهو ان هناك التنفيذ الفعلي لاعادة احتلال المنطقة العربية امريكيا وتدميرها بالكامل، وقد لعبت مع الامريكيين دول واطراف عديدة بمختلف الادوار وتنفيذ المهمات المكملة، مهما كانت صغيرة ام كبيرة.

كثيرة هي دروس هذا الحدث ، واهمها : ان المنطقة بكاملها ، دولا ومجتمعات، تعيش تحت اليوم تحت هواجس احتلال ونفوذ واطماع اجنبية عدة، وهي تعيش ايضا قلقا كبيرا لما ستفضي اليه الامور التي تستشرف في الافاق القريبة والبعيدة ما يطلق عليه مرحلة " سايكس بيكو" جديدة في" الشرق الاوسط الجديد".

وبطبيعة الحال يتحمل النظام العربي الرسمي مسؤولية مواقفه المتخاذلة من ازمة العراق والكويت لانه لم يكن فاعلا حينها وبعدها وتفرجه الكامل على حل المشكلة، بل اسهم العرب انفسهم، ما عدا القلة النادرة منهم، في الانجرار الكامل في تنفيذ ما أُملي عليهم، امريكيا ودوليا، فسكتوا عن حصار العراق و وتواطؤا على غزوه واحتلاله وتدميره، الى ان شملتهم تباعا ، دولا ومجتمعات، نيران المحرقة المستعرة التي نعيشها اليوم.

وما لم يقف العرب بانفسهم على حل مشاكلهم بانفسهم بالطرق الممكنة، واهمها الجانب السياسي، والاستقلالية التامة في اتخاذ القرار العربي الاستراتيجي المطلوب، فان التدخل العسكري والاستحواذ السياسي الاجنبي ، كان وسيظل متوقعا، لا كما حدث في الكويت، بل يمتد ، كما هو جاري، اليوم الى ساحات ، غير العراق، نفسه المحتل امريكيا وايرانيا، والى اقطار سوريا وليبيا واليمن ولبنان وكل الخليج العربي، وغيرها من بلدان عربية كلها اضحت ساحات لتدخل اجنبي، ومواقع لصراع وارادات دولية وتهالك الشرق والغرب على الاطماع والنهب والفساد لثروات العرب، حتى لو طبقت مثل تلك الاساليب، وفي مثل هذه التدخلات بصيغ واساليب متجددة ومموهة ومضللة لشعوب المنطقة، وجماهيرها المنهكة، وحتى للعالم المتفرج على الاحداث، سواء عن قرب او بعد .

الخليج العربي والشرق الاوسط هو مركز الاحداث المشتعل منذ1990 وما تلاها، يعيش اليوم كله ازمات، لا تختلف عما حدث في الكويت والعراق، ونحن نشهد اليوم اكثر من تدخل سياسي وحتى عسكري مفروض على شعوب المنطقة ومجتمعاتها ،وقد وصلت حالات منها الى ابعد مما حدث في حالة العراق بعد دخوله الكويت، ولكن تبقى سمة الاصرار على تدمير العراق هي الحالة الاكثر ملاحظة ومتابعة بقسوتها، لكل من يهمه وضع العراق.

لقد ادركت قوى الجبهة الوطنية العراقية مثل هذه الامور ، فتمت مراجعات سياسية وفكرية هامة ومعمقة لكل ما حدث لشعبنا ووطننا وامتنا من مآسي وويلات، وطرحت الجبهة الوطنية العراقية في برنامجها السياسي حلولا شاملة وواقعية وتصورات لحل كافة الاشكاليات الناجمة عن كل ما جرى ويجري في بلادنا وبجوارنا الاقليمي والدولي.

ونحن نرى ان عودة السلم والتنمية والاستقرار هو الطريق الوحيد لضمان الحياة في العراق وجواره، وما اصرار البعض على تدمير ما تبقى من العراق الا محاولات لإنتحار سياسي واجتماعي واستراتيجي لا يفضي الى حل واقعي وملموس، خاصة، عند ارتهان البعض لوضع العراق بيد القوى الاجنبية الطامعة ، ويخطأ الكثيرون في محاولاتهم المستمرة، تغذية الازمات وتخليقها وتمويلها لاستمرار الاضطراب السياسي والاجتماعي في العراق، ظنا منهم ان ذلك يحل مشاكلهم مع انفسهم ومجتمعاتهم او مع جيرانهم، لان العراق، هو الرقم الصعب، الذي لا يمكن تجزئته وتقسيمه بسهولة، وكما خبرته دروس التاريخ والجغرافية فهو مجتمع وثقافة وحضارة راسخة وعصية على التحلل والتفكك، وقد يبدو مريضا اليوم، لدى تشخيصات البعض للحالة العراقية، لكن الاجهاز عليه وتفتيته وتدميره ليس بالمنال السهل، وستزداد مثل هذه الامور صعوبة اذا ما بادر العراقيون بانفسهم ومع اشقائهم، ممن يحترقون اليوم بنيران ازمات العراق، لحل مشاكل كل ما جرى ويجري، بروح الاعتماد والثقة بالنفس ، لايجاد حلول سياسية وواقعية، ولا بد من اعتراف متبادل واقرار مشترك بان ابناء العراق الاحرار هم من يعنيهم حل قضايا العراق بعودته الى اهله وشعبه وامته، والاسهام الحر الواعي مع اشقائهم بمختلف انظمتهم السياسية ، ولينتبه البعض من التشبث بشماعة دخول العراق الى الكويت، فيدمر عن قصد، او عن غفلة، كلا من العراق والكويت، وبنيران محرقتهما تشتعل كل دول الخليج العربي المضطرب اليوم بتداخلاته الامنية والاجتماعية، وحتى العسكرية التي تلوح في الافق بين بلدانه وبين جيرانه.

ان اصرار البعض على تجاهل دور القوى الوطنية العراقية التي عارضت الاحتلال والعملية السياسية الجارية في العراق، هو اسهام متعمد ومقصود لاستمرار الازمات التي اشعلها البعض لتبقى كي يحقق اهدافه ونيل مطامعه ولو على حساب العراق واشعال المنطقة بكاملها وزجها في الجحيم المتصاعد هنا وهناك وعلى كل الاصعدة.

وان غدا لناظره قريب.

 

الاكثر قراءة