الأحد 17-ديسمبر-2017

الدولة القطرية العربية من الصدمة والترويع الى سلطة المليشيات

قدم العراقيون منذ عصر فجر الحضارات أنموذجا متقدما ومتطورا في بناء الدولة التي ظهرت منذ الالف الرابع قبل الميلاد في وادي الرافدين ، بما اتفق عليه علماء التاريخ والحضارات وعرف باسم "دولة المدينة " ، التي ظهرت في مدن سومر واوروك والوركاء وميسان وغيرها من مدن العراق في السهل الرسوبي خاصة.

ويرى المؤرخ الكبير ارنولد توينبي في مؤلفه تاريخ البشرية: ان اكبر انجاز قدمه العقل البشري منذ فجر التاريخ: هو قدرة وتمكن العراقيين المبكرة في تجفيف المستنقع ، والقدرة على التحكم بالفيضانات، ومعرفة مناسيبها وتوقيتاتها السنوية والعمل الجماعي في تجفيف الاهوار والمستنقعات، والابداع في بناء السدود والتحكم في منظومات الري، وتوفير الاراضي الصالحة للزراعة، ومن ثم حصولهم على وفرة وفائض في الانتاج الزراعي والاكتفاء الذاتي للغذاء وظهور قيم العمل والتخصص والحرف غير الزراعية، وظهور مؤسسات دولة المدينة بمؤسساتها الكهنوتية ومعابدها الى بروز ملوك يقودون جيوش تحمي تلك المدن ، وبناء الاسوار، وصنع السلاح ، حتى ظهر التعليم باختراع الكتابة.

وقد واجهت "دولة المدينة" المبكرة غزوات الاقوام والقبائل البدائية، غير المدينية، القادمة من خارجها، والتي غالبا ما كانت تشن هجماتها من خلف اسوار المدن العراقية المحصنة، تقوم تلك الاقوام بغزواتها المتكررة، عابثة بالتخريب ومحاولات النهب والحرق ومحاولات تخريب السدود لاحداث الفيضانات، ولكنها غالبا ما كانت تهزم ، وتهرب من جديد الى تخوم الصحاري والبوادي البعيدة ، وهي تعيش حالة بداوتها وتخلفها الحضاري والثقافي، متربصة الى حين أن تتوفر لها فرصة اخرى للهجوم والغزو بسبب الاضطرابات المجتمعية التي تحدث داخل دولة المدينة ، وخاصة بسبب حروب واقتتال الاسر الحاكمة ، في تلك المدن، او التآمر عليها من الخارج، مما يمهد السبيل الى نجاح الغزو الخارجي، فتسقط دولة المدينة.
دول المدينة منها تحولت لاحقا الى ممالك كبيرة، ضمت عدة مدن واصبحت بعضها امبراطوريات واسعة شهد لها التاريخ الانساني، حضاراتها المتعاقبة في وادي الرافدين، كما هو الحال في ظهور الدولة السومرية والاكدية والبابلية والاشورية.

ان سقوط الدول في العراق على مدى التاريخ قد تم بفعل عاملين احدهما غزو خارجي ، او اضطراب داخل الدولة ومجتمعها، حيث تتسلط قوى مجتمعية ، واشخاص ، تتوفر لهم قوة السلاح والسلطة والنفوذ، فيصبحون دولة داخل الدولة وهكذا هو حال ضعف الدولة العباسية وسقوطها التدريجي بظهور البرامكة وبعدهم البويهيون والسلاجقة ودول المماليك في العراق وسوريا وحتى مصر، ظهر منهم حكام، حتى اصبح لكل شخصية نافذة اتباعها وعصاباتها ومليشياتها المسلحة لتتسلط على سلطة الدولة المركزية الممثلة آنذاك بنظام الخلافة، ووجود الخليفة القوي الحاكم بسلطة مستمدة من امارته للمؤمنين.

اذن كانت ولا تزال ظاهرة تسلط المليشيات المسلحة ، حسب مفهومنا الحالي للعصر بالتسمية، واحدة من اسباب الاضطرابات الاجتماعية الممهدة لسقوط الدول ، حيث يجمع الشخص والجماعات المال والسلاح والاتباع ليظهر هذا المتمرد أو ذاك من داخل الحكم ويقوى ضمن اجهزة الحكم التي غالبا ما اجهزت على وجود واستمرار الدولة الاسلامية في العراق او على امارات ولاتها في الامصار القريبة والبعيدة، وتكون في غالبيتها قد مهدت الى احداث الانقلابات الداخلية، التي انتهت بالانهيار التام للخلفاء العباسيين، خاصة، وجعلهم العوبة بيد المتمردين على سلطاتهم حتى لقب هؤلاء الخوارج على سلطة الخلافة الشرعية انفسهم بالسلاطين والامراء او الوزراء الحاكمين بشكل مطلق.

ان عودة ظاهرة حكم المليشيات ، واشباه مرتزقة المماليك، بالتسلط على الدولة من داخلها وبقوة السلاح ، وبدعم من قوى خارجية نافذة ، عادت للاجهاز على تركات الدولة العربية القطرية ، وهكذا هو الحال والسائد وما يجري الآن في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكذلك بما سمي بدولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام " داعش" ،حيث حقق الايرانيون الصفويون حلمهم القديم المتجدد باستغلال ، وتشكيل وتسليح وقيادة المليشيات الطائفية وباستغلال الفتن المذهبية والطائفية في ظل ضعف الدولة القطرية العربية، ساعدها توفر مناخات وعوامل وقوى الغزو الخارجي، وانعدام وجود الدولة العربية القومية القوية القادرة على حماية من يستنجد بها من بقية الاقطار عند حدوث تلك الاخطار.

ان تشكل دول عربية جديدة بواجهات تدعي الحكم الثيوقراطي الاسلاموي، وتحكمها اليوم قوى مليشياوية تتصاعد في نفوذها وقوتها بامتلاكها المال والسلاح وتجنيد الاتباع، وهي مجموعات منفلتة على سلطة الدولة والحكم القائم في هذا القطر العربي أو ذاك، ومحمية بدعم خارجي، كل ذلك بات يشكل اهم فرص لتحقيق مبدأ ومفهوم ما سُميَ " الفوضى الخلاقة" الذي وضعته الحكومات والادارات الامريكية المتعاقبة موضع التطبيق الفعلي، وبعد ان اقرته عصابات ومجموعات " المحافظون الجدد" الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية منذ وصول جورج بوش الاب وبعده جورج بوش الابن، والتي قادت ونفذت مخططات الغزو والحرب على العراق، منذ 1991، وجربت في العراق افضع جرائمها، باسلحة واساليب غاشمة، أين سُميت عملياتها العدوانية باسلحة " الصدمة والترهيب" ،وهي في مجملها تخطيطا وتنفيذا مبنية ومرتكزة على نتائج دراسات نفسية واجتماعية واقتصادية، حيث يظل هدف الاستحواذ على النفط والغاز ومكامنه ومواقعه هو خارطة الطريق الاساسية التي تقود التدخلات بكل اشكالها نحو مواقع الاضطرابات المستهدفة اليوم في عموم الوطن العربي .

الجدير بالذكر هنا ، ويجب ان لا ننسى إن آليات قيام دولة للكيان الصهيوني على ارض فلسطين التاريخية، منذ وعد بلفور، كانت غير بعيدة عن ذات الاسلوب والمخطط والمراحل، التي جرت بعد أن تم تمكين عصابات الهاغانا وشتيرن الصهيونيتين وتسلل المهاجرين اليهود الى ارض فلسطين، بدعم وتسهيل من حكومة الانتداب البريطاني ومساعدة القوى الدولية المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، والتي تعاونت على اقامة ودعم دولة "اسرائيل" والاعتراف بها عام 1948، وكذلك هو الحال الآن ، حيث تسعى دول خارجية للدفع بظهور دول مليشياوية اخرى تحت مسميات اثنية واقليمية في شمال العراق وتركيا وسوريا .

ان مبدأ الصدمة والترهيب ،قائم ومنفذ في مجتمعاتنا العربية، حيث تجرب القوى الارهابية الدولية واتباعها من المحليين والاقليميين، آلياته على نطاق واسع، وحصيلتها ما يسمى اليوم قيام دول المليشيات الطائفية والاثنية على ارض الواقع العربي.

إن المليشيات بشتى أسمائها وعناوينها وتوزيعها الجغرافي والاقليمي تسعى الى التقاسم والنفوذ والسيطرة على الحكم، ولو حتى بالابقاء في الظل المؤقت والسيطرة على بقية من انقاض وعنوان الدولة العربية المهشمة في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان ، ولا يستبعد تنفيذ مثل هذا المخطط المخطط لتقسيم اقليم الجزيرة العربية ومحميات الخليج العربي وحكمها من خلال كانتونات ودويلات قادمة ، يحكمها سلاح مليشياوي، ويحميها دعم خارجي، تتصدره حكومة ايران الصفوية الحالمة دائما لمد نفوذ امبراطوريتها وفق الاسلوب والانموذج القديم، النموذج البويهي والسلجوقي، لتدمير بنية الدولة العربية القائمة .
ان الوعي العربي لما يجري فعلا وواقعا على ارض العرب اليوم تستدعي تغيير الاستراتيجيات والتحالفات القائمة بكل اشكالها لانقاذ ما تبقى من الكيانات العربية التي باتت تتحكم بها دولة المليشيات القائمة فيها وتمارس من خلالها فرض السلطة واللا قانون والفوضى لصالح نفوذ الدولة الصفوية الفارسية بطهران.

ا.د. عبد الكاظم العبودي
رئيس تحرير هيئة الموقع

أضف تعليق

الاكثر قراءة