الأثنين 22-يناير-2018

عقدة الاستعمار وذواته المأزومة باقية

كلما زرت عواصم الغرب الاستعماري احسست بمثل هذا الهاجس، الذي أعنون به مقالتي اليوم، في توصيف تلك الذوات الغربية المأزومة والمهزومة تاريخيا ونفسيا.

وكلما زرت متاحف برلين وباريس ولندن ونيويورك، وأراها متخمة بصناديقها المحروسة الكترونيا بكنوز الآثار العراقية والفرعونية والاسلامية من كل اقطارنا العربية ،المشرقية منها والمغربية، والتي سباها الاستعمار، إلا وحاولت مراجعة حواري مع نفسي ومع الآخر المفروض فهمه جيدا.

ويقيني، وبعد كل مراجعة، أرى أن الغرب ، ولا زالت حكوماته ونخبه تريد ان تمرر رسالة ما بذلك تُملى علينا ، نحن العرب خاصة ، جيرانهم عبر البحر المتوسطي، الرسالة تعبر بمضمونها، شيئأً آخر تماما ، ليس بتمظهر الغرب بالاحتفاء بحفظ الكنوز والآثار الحضارية ورعاية واستثمار المتاحف التي تدر عليهم أموالا تتجاوز محصلتنا من ملايين أطنان البترول العربي ، المنهوب كل يوم.

الغرب يعلم، ويدرك تمام الادراك أن اغلب ما تجمعه بنوكه ومتاحفه هي أموال وآثار مسروقة، منقولة عن بيئتها، ومغتصبة من اهلها بالقوة العسكرية الغاشمة المرافقة مع بعثات التنقيب عن آثارنا.

لقد حملت بعثات الغرب واساطيله كنوز حضاراتنا تباعا وباستمرار منذ اكثر من ثلاث قرون ، تم ذلك قسرا، وهربت كنوزنا بليل استعماري بهيم، لتمتلأ بها اليوم صناديق المتاحف الغربية ، وهي حالة باتت واضحة للعيان، لا تخفي عقدة التشفي بنا ، وبما انحدرت ابيه أحوالنا المزرية، خاصة، بعد ان اجتيحت بلداننا مرة أخرى من بقايا وممارسات الهكسوس القدامى والجدد وقدوم المغول والتتار المتأخرين، وأخيرا ما حل بنا منهم جميعا في صنع الدواعش ومجموعات الخراب الشامل.

وعلى منوال بريطانيا والمانيا وبعثات الغرب الاستعماري

حملت القوات الفرنسية الغازية بعد العام 1830 م. فجمعت كل ما يقع بيديها من كنوز الجزائر ، كما وقع الاهتمام متقصدا على سرقة وجمع الاسلحة والمدافع الجزائرية التي كانت حارسة للثغور الجزائرية في العهد العثماني ، حيث تم نقلها، باعتبارها غنائم حرب لتعرض في ساحات ومتاحف مدن فرنسا.

لم تنس أوربا مطلقا هزائم اساطيلها وجيوشها الصليبية في عرض البحر المتوسط، منذ هزيمتها الكبرى وخروجها مهزومة من مدينة عكا على الساحل الفلسطيني ، ثم تتالت عليها الهجمات، ضمن يقظة وفراسة "رياس البحر"؛ ودولتهم في الجزائر ، وما اطلق عليه المؤرخون "الجهاد البحري" لحفظ الثغور والدفاع عن كل رباط عربي واسلامي في مدن البحر المتوسط.

واستمر هذا الحال حتى بعد سقوط الاندلس ، لذا ضاق الاوربيون ذرعا بذلك،" وبدأوا التأليب على العرب والمسلمين. كان هايدو يقول: (الجزائر آفة الدنيا، ومضجع القراصنة )، ويتسائل حينها : (... إلى متى يتحمل ملوك اوروبا ذلهم!)؟.

ويصف "دو جرامي " الوضع في البحر المتوسط عام 1619م : (مدينة الجزائر ، ذلك السوط المسلط على العالم المسيحي.... انها رعب أوروبا ولجام ايطاليا و اسبانيا)!.

وعندما تمكن الفرنسيون من غزو واحتلال الجزائر 1832، انتقموا من جبنهم التاريخي الكامن بالنفوس، وتنطلق ممارساتهم اللا انسانية التالية باسم " نشر الحضارة الاستعمارية" الزائفة المتمثلة في إفرازات تلك "الأنا والذات " الاستعمارية المريضة ولتحقيق وهم " قهر الآخر" وإذلاله، متجسدا ذلك بعرض غنائمهم في الساحات والمتاحف، وما أخفاه الارشيف الاستعماري منه وفيه الكثير من كتب ومخطوطات ووثائق تاريخية هامة.

وحيث صدأت المدافع العربية هناك وهي متروكة في العراء، تم الانتقام العمدي في عرض جماجم ثوار الانتفاضات والثورات الوطنية الجزائرية على مدى عقود وسنوات الاحتلال البغيض، عرضت جماجم المجاهدين والمقاومين الابطال المعروفين ضد سلطة الاحتلال الفرنسي فكان نصيبهم بعد استشهادهم أن عرضت جماجمهم في صالات متاحف ومخابر الدراسات الانثروبولوجية العنصرية الفرنسية، ومن دون حتى أدنى خجل، وحتى موضوعية علمية تم ذكر أسمائهم وتاريخ وقائعهم كمجاهدين ، وكأن ملايين الهياكل العظمية الاخرى التي نهبوها من المقابر الاسلامية في الجزائر وحملتها سفن تجارتهم وعلى مدى عقود من القرن التاسع عشر لم تكفيهم تلك التجارة البائسة من صور الانتقام، عندما حرقوا عظام الموتى، ليحصلوا منها على "الفحم البشري"، المستخلص من العظام البشرية في افران صناعاتهم، ولتلبية طلبات معامل صنع سكرهم من البنجر في مصانع الغرب الحاقد .

هكذا عبر الغرب عن عقده وازماته وهزائم ذاته؛ رغم ان رطاناته ظلت مستمرة حول قضية " الهولوكوست" وتاريخه وتناست افعالهم في الجزائر ، لقد بحثنا عنها كثيرا ونشرنا عنها العديد من الدراسات ؛ بحثا وتوثيقا، منذ محرقة و"هولوكست" العقيد بيليسيه لقبيلة (اولاد رياح) عام 1845م، وبعدها القتل المتعمد باستعمال الغازات السامة عسكريا، لاول مرة في التاريخ، وفي أول "هولوكوست" كيمياوي لنفس الجنرال بيليسيه وضباطه بقتل غالبية سكان مدينة الاغواط عام 1852م ، ثم اكمل الفرنسيون بعد 132 من الاستعمار والنهب والحرق بكل انواعه ، عادوا و بقيادة الجنرال ديغول في بداية الستينيات من القرن الماضي حين ارتكبوا اكبر المحارق ، "الهولوكوست النووي" في حرق كامل اراضي وصحارى الجزائر في مدن وبوادي رقان ووادي الناموس وحماقير واينيكر بتمنغراست وجنوب الصحراء، بتدمير وتلويث مساحات تساوي ضعف مساحة فرنسا نفسها.

ومع كل هذا يريدون منا أن نسمع رطانات ومناشدات اتباعهم ، ومن دون حتى اعتراف و اعتذار لافعالهم، أو تعويض لحالة واحدة من بين المبايين من الحالات التي اكتوت بعذاباتهم وبربريتهم . يطالبنا البعض ان نطوي تلك الصفحات الاستعمارية وننساها؛ رغم انهم لا زالوا يصرون على إبقائها مفتوحة عندهم، ويفتخرون بماضيهم الاستعماري الاسود، وتبتزنا افعالهم، التي نشاهدها بتكرار أفعالها كل يوم في اكثر من ساحة وبلد عربي واسلامي.

 

أضف تعليق

الاكثر قراءة