الأحد 17-ديسمبر-2017

إلى أبي وَأمي مَع التَحية / محمود الجاف

رأيتُ الكثير منَ الصُور والوَقائع والتناقُضات التي تَزخر بها الحَياة واطَّلعتُ على مَشاكل وآلام وقصص الشباب من كلا الجنسين الذين تحولت حياتهُم إلى جَحيم وسجن كبير كل ما فيها أشباح . مارسوا بحقهم أقسى عمليات التعذيب والاعتداء النفسي والجسدي التي تضاهي الموت أحيانًا إن لم تكن ارحم منهُ ... نحن نعيش في دنيا القطيع التي ليس لك فيها إلا أن تطيع أو تضيع ... القتلة والمجرمين غير ما تعرضه وسائل الإعلام فهم بعض أولياء الأمور والأخوة أو الأخوات أو أولاد العم والأقارب العقارب التي تتجول في المضارب تلدغ فيها كل طيب ساذج وحيد راغبًا كان أو لم يكن راغب ... تربوا في بيوت الجهل والحرمان والظلم والشذوذ فتخرجوا على شكل وباء خطير ينشر الموت حيثما حل . والمشكلة إنهم ورغم ما ذاقوه وعرفوه من أساليب التربية الخطأ تراهم يستخدمون نفس الأساليب التي كانت السبب فيما وصلوا إليه .
كلما التقت الأمهات أو تجمعت العوائل في المناسبات إختفى الأطفال في الحدائق أو الغرف المعزولة وسمعنا صوتًا شاذًا ينادي دعوهم يلعبون فهم صغارًا لا يفهمون . واتضح إن لهم مشاعر ورغبات ويطبقون كل ما يفعله الوالدين أو الآخرين أو ما تعرضه شاشات التلفزيون أو شبكة الانترنت التي دخلت البيوت دون استئذان رغم انف أولياء الأمور والقانون .
اسألوا أي طِفل . مَن المَسؤول عَن ما يَرتديهِ مِن مَلابِس مُغرية مُخزية ؟ كأنَما يُلقون بِهم إلى الرَذيلَة ليجعلوا مِنهُم لقمَة سائغَة للذئاب البَشريَة . تَتناقلهُم الأحضان ويتَعرَضونَ لشَتى الاعتداءات وَيَموتونَ بِبُطئٍ شَديد في كُلَ يَوم ألفَ مَرَة ... بَينَ ظُلم وحَسرَة وَألم وَحاجَة وَرغبات وَأمنيات مَدفونَة في قَلبهِ الذي تَهاوَت عَليهِ مَعاوِل الأيام أو غرقَ في عُنف وَخَوف الوالدين مِن المُستقبل . والبنت هي الحُب الذي لا تَراهُ والرِقَة التي تَتَلقى الصَدَمات . بَل هي الحَياة . وَنحنُ جَعلناها حاويَةً لأحزانِنا وَفَشلنا وحَتى خَوفَنا .
.
اتقوا الله في أولادكم بَعدَ غياب الدَولة والقانون وَضَعف الإيمان وَتَحريفِ الأديان . بل بُروز بَعضَها التي تَمنحهُم الحَقَ في مُمارسَة الجِنس والتَمتُع بِهِم كأنهُم لُعبة . انتبِهوا لِما يُشاهدونَ وَيَلبَسون وَمَعَ مَن وَأينَ يَلتَقون وَيَختلِطون فَزَمانُ الأمان قَد وَلى والأقربونَ اخطرُ مِنَ الغُرباء .وقصتي تمتلئ بمثلها رفوف الحياة وملاجئ الحُزن في زوايا النفوس ومن اجل إخفاء الشَخصيات الحَقيقية سأطلقُ على البنت اسم لمياء والشاب لؤي ...
يقول لؤي : منذ أن بدأت افهم بعض صور الحياة وأفك رموزها طُبعت في مخيلتي المشاكل الشبه يومية لامي وأبي ولا أنسى كلماته التي توحي بندمه على زواجه وإنجابنا وصعوبة حصوله على المال لإطعامنا وتساءلت كيف كانوا قبل أن يرتبطوا ببعضهم ثم علمت لاحقًا انه كان يؤدي ادوار الرقة والعشق والبطولة ويؤلف الأحلام الوردية لشكل الحياة التي سيأخذها إليها ... والتي لم أرى فيها غير الدموع والحرمان والظلم حتى جاءت لحظة ضياعي بخدعة من احد الذئاب البشرية مقابل صور يلعب بها الأطفال فقد أقنعني بأن أمنحه نفسي وفعلت ... هكذا أصبحت قيمتي في الدنيا ... وسلكت طريق الفشل والحقد من كل شيء وأولهم نفسي التي حمَّلتها المسؤولية عن كل ماجرى فأخذتُ بها إلى الهاوية رغبة في تدميرها وإذلالها حتى أشعر بسعادة الإنتقام من الكائن الوحيد الذي يمكنني الإنتقام منه .
وحين كبرت تبين إني لا اعرف عن ربي سوى انه خالقي ولا أفهم نفسي ولهذا تعثرت كثيرًا في مسيرتي حتى هداني الله وقرأت قانونه الذي يُهَدِأ وَيَهدي النفوس إلى صفائها وفتح لنا أبواب الراحة والاستقرار النفسي والجسدي فعرفتهُ من خلال أسماءه الحُسنى وصفاته وتعلمت كيف أقود حياتي للنجاح وابدأ من جديد فاخترت الأهداف التي سأمضي من اجل تحقيقها .
وقالت لمياء : كنت احلم بحضن دافئ يروي ظمئي من الحب الذي حُرمتُ منهُ ... لم تكن الدموع تفارقني كلما دخل الليل وعاد أبي لتُقرَعَ طبول الحرب من جديد ونسمع أناشيد اللعن والطعن والصراخ والعويل . حتى جاء اليوم الذي اعتقدت فيه إنها ابتسامة الحياة بعد أن رايته يقف في طريقي وكلما خرجت من المدرسة منحني نفس النظرات ... ثم التقينا واقتربت قلوبنا وتعانقت أجسادنا فكشف لي عن أنيابه ورأيتُ في وجهه الشيطان فسال دمي ومزق ذراعي وحطم تاج الوقار الذي ترتديه العذارى وكسر معصمي .
هنا بدأ اليأس وأخذت أفكار الإنتحار تتملكني وتقودني إلى الظلمات التي ليست لها نهاية فطلبتُ من صديقتي المساعدة فقادتني إلى النجاسة مرارًا وتكرارًا في دارها أحيانا بحجة القراءة وأحيانا أخرى في بيوت يملأها الذل والنخاسة ... فكرت أن ازهق النفس التي قادتني لما وصلت إليه ولكن الله هداني إليه ( الأب والأستاذ والأخ والصديق ) الذي اخذ بيدي وأنقذني وأزال عني همومي وعلمني ومنحني الاطمئنان وكيف أقود نفسي بإحسان وبدأت المسير في طريق النجاح لأتقدم وارتاح ونسيت صور المعارك في بيتنا والصياح وانشغلت بالعلم والقراءة حتى رأيت الأمل أخيرًا وأشرقت عليَ شمس الصباح .
إن الأولاد نعمة كبيرة . لكن الذل واإهانات التي تعرضوا لها جعلتهم سريعي اللجوء إلى الرذيلة والفشل فقد كبروا وليس لهم قيمة وﻻ كرامة فلا تعجبوا من انحرافهم فربوا أنفسكم قبل غيركم فالمرأة الصالحة هي أساس البيت الحافظة لأسرار زوجها التي إذا غاب حفظته في نفسها وماله حتى يعود .
قالَ الشاعر : الأمُ مَدرَسةً إذا أعدَدتها .... أعدَدت شَعبًا طَيبَ الأعراق
اهتموا بهم وتعاونوا على ذلك فالأمر يحتاج إلى صبر وحب وعلى الأم أن تعتني بالبنات وتُعلمهُن الأخلاق الطيبة والحياء وعلى الوالد أن يعلم أولاده الرجولة حتى يخرج عضوًا صالحًا ينفعه في حياته وبعد مماته ولابد من استعداد ومراقبة وإلا فإن العائلة ستضيع ... الآباء يلهثون وراء الدنيا والمجالس الساهرة على القيل والقال ليلًا ونهارًا أو ما هو أشد من ذلك ولاوقت للبيت . والأمهات مشغولات بالتجوال في الأسواق والتجمعات أو المسلسلات وأطفالهم يرمون إما على المربيات أو في دور الحضانة كأنهم أيتام لقطاء وهم أمانة في أعناقكم خصوصًا في هذا الزمان والفتن في المدارس والبيوت التي تسللت إليها بواسطة الشبكة العنكبوتية وكأننا أصبحنا نعيش في أوروبا وأمريكا ... كل الشرور دخلت مرئية ومسموعة ومقروءة والطفل على فراشه وأشد من ذلك النساء والبنات التي ترى جسدها في البيت وعقلها خارجه ... تدمير وخراب للأفكار والأخلاق والعقيدة وأنتم لا تشعرون وهمكم دنياكم والجري وراء الثروات ... لكن الأولاد هم الثروة الحقيقية التي إذا ضيعتها خسرت دينك ودنياك وصاروا حسرةً عليك .
2017 . 11 . 27

أضف تعليق

الاكثر قراءة