الأثنين 22-يناير-2018

لماذا لاتريد اميركا اسقاط النظام الأيراني / صلاح المختار

  1. في يوم 4-1-2018 حسمت امريكا الغموض في موقفها من الانتفاضة الشعبية الايرانية حينما اكد الناطق الرسمي باسم وزراة الخارجية الامريكية بان (الادارة الامريكية لاتريد تغير النظام الايراني بل تريد تغيير سلوكه في المنطقة) ،وهذا التصريح جاء ضربة مؤلمة لمن توقع بان ادارة ترامب تعمل جديا على اسقاط النظام الايراني ، وهنا تبرز الملاحظة الجوهرية التالية : خلال اربعة عقود ثبت رسميا وعمليا ان احد اهم ثوابت السياسة الخارجية الامريكية هو حماية نظام الملالي في اسرائيل الشرقية عبر الرفض التام لاسقاطه ، وتجلى ذلك بلا غموض في مواقف الادارات الامريكية المتعاقبة منذ ادارة كارتر وحتى ادارة ترامب ، والسؤال الذي يحير البعض هو : لماذا تقوم امريكا بشن حروب اعلامية ضد نظام الملالي لكنها في الواقع ورسميا تدعمه وتساعدة على البقاء وتقاوم بشده اي محاولة لاسقاطه ؟ 1- احدى ابرز حقائق القرن الماضي هي ان النظام الكولونيالي الاوربي (البريطاني والفرنسي) ومن بعده النظام الامبريالي الامريكي الذي ورثه تبنيا بعد اكتشاف النفط في الوطن العربي خطة انشاء نظام صهيوني وسط الوطن العربي من يهود العالم ( نظرية الواحة الغربية وسط التخلف العربي ) ودعمه من قبل تركيا وايران واثيوبيا واوغندا والسنغال (نظرية شد الاطراف ) ، اضافة لانشاء انظمة عربية تابعة وتتعايش مع الكيان الصهيوني المقرر اقامته ، ثم تنفيذ خطة تفتيت العرب تدريجيا وتحويل كياناتهم القطرية الى كيانات مجهرية قزمة ومقزمة وظيفتها ان تكون نطاق حماية للكيان الصهيوني وهكذا تتوفر شروط احكام الغرب سيطرته على ثروات الوطن العربي وجعله من اهم مناطق الانطلاق لتدمير الشيوعية وحركات التحرر .

    2- وضع الغرب ستراتيجية عظمى في بداية القرن العشرين كي تنفذ خلال قرن من الزمان وبموجبها شكلت لجنة بنرمان ووضعت خطة السيطرة على الوطن العربي وصدر وعد بلفور وخطة سايكس بيكو ونفذ قرار تعزيز قدرة الدولة الاكثر استعدادا لمحاربة العرب وهي بلاد فارس فسدت نواقصها الجيوبولتيكية المانعة لها من لعب دور اقليمي يكبح اي انطلاقة نهضوية ووحدوية للعرب بضم الاحواز العربية اليها لوجود المياه والارض الزراعية والنفط والغاز فيها وهي اهم ما لا يوجد في بلاد فارس وتحتاج لوجوده فيها لتصبح قوة اقليمية عظمى ، وصاراكثر من 80% من ثروتها يأتي من الاحواز ،وغير اسمها من بلاد فارس الى ايران لاخفاء الطابع القومي العنصري لها ، واقيم الكيان الصهيوني وكان لابد من حمايته دوليا واقليميا وكانت اسرائيل الشرقية الدولة الاهم في هذا المخطط فحوصر العرب بين مطرقة في الغرب وسندان في الشرق .

    امريكا والصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة تخلتا عن الشاه محمد رضا بهلوي نتيجة فشله النهائي في شرذمة وتقسيم الاقطار العربية ، بل ان الشاه في سنواته الاخيره اخذ يحاول التفاهم مع العرب لاجل توفير شروط نهوض ايراني امبراطوري قومي صريح وكانت اتفاقية الجزائر مع العراق في عام 1975 هي القشة التي قصمت ظهر البعير الملكي الايراني. ومما عجل في اسقاطه وصول المخابرات البريطانية ثم الامريكية الى ان السبب الرئيس لفشل الشاه في اختراق صفوف العرب وشرذمتهم كان الطبيعة القومية الفارسية لسياساته والتي زادت من حصانة العرب ضد النزعة الامبراطورية الايرانية .

    3-وبناء عليه فان البديل الفاعل لنظام الشاه هو نظام ديني طائفي يستطيع تحت اسم الاسلام او الطائفة اختراق العرب وضرب وحدتهم الوطنية واضعاف ثم ازالة هويتهم القومية فجاء قرار اسقاط الشاه ودعم مجموعة الملالي خصوصا اشدهم كرها للعرب وهو خميني. ولهذا فان نظام خميني لم يقع في خطأ التقدير حينما بدأ عمله باستهداف العراق ودول الخليج العربي رغم انه رفع شعارات معادية لامريكا والصهيونية بل كان يعمل وفق مخطط مسبق واكدت مراسلاته مع الرئيسين جون كنيدي وجيمي كارتر والتي كشفت عنها المخابرات الامريكية ان خميني وعدهما بجعل ايران تحت تصرف امريكا وفي خدمتها.

    4- كان نظام الملالي ومازال يعد العرب العدو الاول والاهم عمليا ،وهو ما تحتاج اليه امريكا والصهيونية على المستوى الستراتيجي العام ، ولدينا امثلة كثيرة تؤكد بان احد اهم ثوابت السياسة الامريكية هو دعم نظام الملالي ورفض اسقاطه : أ- دعمت امريكا واسرائيل الغربية نظام خميني اثناء شنه الحرب على العراق لاجل غزوه واسقاط نظامه الوطني وايرانجيت مثال واحد فقط ، ب-وعند غزو العراق كان نظام الملالي مشاركا في الغزو بواسطة نغوله في فيلق بدر وغيره واعلان قادة النظام مرارا انه( لولا الدعم الايراني لما نجحت امريكا في غزو افغانستان والعراق) ج-وبعد الغزو قدم نظام الملالي الخدمة الاكبر له وهي توفير احزاب وميليشيات تدعم الغزو والحكومة التي شكلها د-وعندما فشل الجيش الامريكي في قهر المقاومة العراقية ووصل حد العجز عن تحمل خسائرة المادية والبشرية سلم العراق لنغول ايران في العراق في عام 2011 ولم يسلمه لعملاءه الرسميين وهم كثر ه-وعندما اندلعت الانتفاضة السلمية في عام 2013 وقفت امريكا مع نظام نوري المالكي لقمعها بالحديد والنار و-والاهم انه عندما وصلت المقاومة العراقية الى مشارف بغداد واخذت قواتها تطوق مطار صدام الدولي في اطراف بغداد عام 2014 تدخلت امريكا بقواتها الجوية جنبا الى جنب مع الحرس الثوري الايراني الذي ادخل الى العراق 15 الف ايراني بقيادة قاسم سليماني لمنع المقاومة العراقية من تحرير بغداد ز-واطلقت داعش لتخرب عملية تحرير العراق ك-وكانت القوات الامريكية هي العامل الاهم في تمكين قوات المنطقة الخضراء والميليشيات التابعة لاسرائيل الشرقية من تحقيق النصر على داعش بفضل قصفها الجوي والصاروخي ومعلوماتها الاستخبارية .

    وكان من اهم الاهداف الصهيوامريكية قد تحقق وهو التدمير الشامل لاهم مدن محافظات ديالى والانبار وصلاح الدين ونينوى وتهجير اكثر من ثمانية ملايين عراقي من ديارهم ومدنهم ووطنهم وكل ذلك ماكان له ان يتم لولا الدعم الامريكي الشامل . فتدمير العراق وتمكين اسرائيل الشرقية ونغولها من السيطرة عليه لم يكن ممكنا ابدا بدون الدعم الامريكي الشامل لنظام الملالي .

    5-وتكرر ما حصل في العراق في سوريا واليمن ودول الخليج العربي وكافة الاقطار العربية ففي سوريا وبعد ان دعمت امريكا منظمات ارهابية ظلامية كي تنهي الطابع الوطني والديمقراطي للانتفاضة السلمية وتحولها الى صراع طائفي تم ذلك وحرفت الانتفاضة عن مسارها الاصلي وحصل خراب سوريا مدنا وجماهيرا وهجر 13 مليون سوري من وطنهم ودمرت اغلب المدن السورية في عملية لا تحققها الا عشرات القنابل الذرية ، واخيرا اجهضت الانتفاضة السورية واعيدت للنظام الطائفي سيطرته على كثير من المناطق التي سيطرت عليها المعارضة ، والسؤال المنطقي هو : من وفر كافة شروط تدمير سوريا واجهاض انتفاضتها الوطنية ؟ انها امريكا وقبل اي طرف اخر فكلنا نتذكر تحريضها الشامل لدول عربية وتركيا على اسقاط النظام ومنع اي حوار معه ولكن عندما وصلت المعارضة الى قلب دمشق وكانت على وشك اسقاط النظام في عام 2012 واذا بامريكا تنقلب على موقفها الرسمي والذي ورطت فيه اقطار خليجية وتركيا وتتبنى موقف الحوار مع النظام فقط وترفض اي حل عسكري ! ثم تعاونت مع روسيا من اجل تحقيق هذا الهدف ،

    6- وفي اليمن رأينا نغول المخابرات الامريكية واطلاعات الايرانية يحولون التظاهرات المطلبية المشروعة الى انتفاضة مسلحة ضد النظام وكان السفير الامريكي هو المايسترو الموجه لمسار الاحداث واوصلت المخابرات الامريكية خصوصا عبر المبعوث الاممي الى اليمن بن عمر ومن خلال دعم الحوثيين الوضع اليمني لنفس ما اوصلت اليه الوضع العراقي والسوري والليبي وهو التشرذم والكوارث ! وفرضت امريكا الفدرالية كحل للازمة في سوريا والعراق واليمن وليبيا والفدرالية ليست سوى مقدمة لابد منها للتقسيم .

    7- كل التهديدت المتبادلة بين امريكا والكيان الصهيوني ونظام الملالي بشن الحرب لم تنفذ طوال اربعة عقود وبقي الدعم المتبادل بينها قائما ويمثل احد اهم ثوابت سياسات هذه الدولة المتناحرة ظاهريا والمتعاونة باطنيا من اجل اكمال مخطط وضع منذ اكثر من قرن وينفذ بخطوات متعاقبة تكمل احداها الاخرى .

    8- بعض العرب لايفهمون ما يجري رغم وضوحه فرسميا امريكا تبنت سياسات علنية ابرزها سياسة (الاحتواء المزدوج) والتي وجهت للعراق واسرائيل الشرقية في التسعينيات من القرن الماضي في ظل ادارة بيل كلنتون ، ولكنها قالت بوضوح بان المطلوب هو اسقاط النظام في العراق ولامجال للحوار معه بينما يجب حل مشاكلنا مع النظام الايراني بالحوار ولا يجوز استخدام القوة معه ، وهذا يشمل سياسة (محور الشر ) التي وجهت ضد العراق واسرائيل الشرقية وكوريا الشمالية

    في ضوء ماتقدم كيف نفهم الموقف الامريكي من الانتفاضة الايرانية الحالية ؟ من المستحيل فهم حقيقة الموقف الامريكي من دون تذكر كل المواقف الامريكية السابقة والتي اتت في تتابع تنفيذي لستراتيجية عظمى قديمة لا يمكن التخلي عنها الا بتحقيق اهدافها او دحرها . لقد فشلت كافة حروب الصهيونية والغرب ومخابراتهما في تفتيت الاقطار العربية بل كان عداء تلك الجهات عوامل تعزيز للوحدة الوطنية في كل قطر عربي وللهوية القومية العربية ولكن من نجح في نشر الفتن والتفتيت هو نظام الملالي بقدرته على تحشيد احزاب وميليشيات تابعة له وهي جزء من شعبنا او من اصول فارسية سكنت اقطارنا ، فاستخدمها لاضعاف الوحدة الوطنية في كل قطر وتهديد هويتنا القومية ووحدة اقطارنا فانتقلنا من الدعوة للوحدة العربية بصفتها اهم اهدافنا بلا منازع الى النضال من اجل حماية الوحدة الاقليمية لكل قطر عربي من مخاطر الفتن الطائفية والعنصرية التي نشرها نظام الملالي وليس غيره وبدعم امريكي وصهيوني واوربي .

    من هنا يمكن التوصل للجواب الحاسم حول موقف امريكا وبريطانيا والصهيونية ومن الانتفاضة الايرانية ، فهذه الجهات وقفت موقفا سلبيا حتى الان منها وتركزت اهدافها رسميا على مطالبة النظام والمعارضة بعدم استخدام العنف وتلبية مطاليب المتظاهرين وهو نفس مطلب حسن روحاني الرئيس الايراني! كما يجب التذكير بان الاعلام الغربي يقف من الانتفاضة موقفا سلبيا مختلفا كليا عن موقفه من الاعداد لشن الحرب على العراق في عام 1991 وفي عام 2003 حيث جند الاعلام الغربي والصهيونية لشيطنة النظام الوطني تمهيدا لعزله عن الراي العام واسقاطه ، وسبق هذا الموقف موقف اخر مشابة وهم موقف الاعلام الغربي عندما اندلعت الانتفاضة ضد الشاه في عامي 1978 و1979 فقد وقف الاعلام البريطاني والفرنسي والامريكي كله مع الانتفاضة وروج لخميني بالذات وكان ذلك الدعم الاعلامي الشامل والمباشر من اهم عوامل تصعيد حدة الانتفاضة ونجاحها ، وتوج الموقف الامريكي والاوربي السلبي من الانتفاضة الحالية بتصريح رسمي حاسم للناطق باسم وزراة الخارجية الامريكية والمشار اليه ، فلم كل ذلك ؟ السبب الواضح كشمس تموز وهو ان امريكا ومعها بريطانيا واطراف اوربية اخرى والصهيونية تريد اكمال مخطط تقسيم الاقطار العربية والطرف الوحيد القادر على تحويل الفوضى الهلاكة التي نشرتها امريكا الى تقسيم هو نظام الملالي وليس غيره،فهو الشريك الاقليمي للقوى الغربية والصهيونية اضافة لكونه يعمل لتحقيق اهدافه القومية الخاصة ،ولهذا لن تفرط به امريكا الان وهو في منتصف طريق تقسيم الاقطار العربية .

    انتبوها ياحكام العرب ولا تقعوا في الفخ مرة ثانية فلئن خدعتكم امريكا مرة فلا يجوز ان تخدعكم مرة ثانية وثالثة ورابعة والا فانكم .........وهذا النداء موجه قبل الانظمة للجماهير والقوى السياسية : اعتمدوا على انفسكم ولا تخدركم امريكا بأمل انها ستضرب نظام الملالي فهي لن تضربه الان . وان اقصى ما قد تفعله هو تغيير رموزه فقط مع بقاء هياكله الاساسية لفترة تغطي عملية تقسيم الاقطار العربية .

     

أضف تعليق

الاكثر قراءة