الأثنين 22-يناير-2018

من يعرف هيبة بلاده ، يعرف هذا الرجل وأمثاله ./ د قحطان الخفاجي

دخلت قاعة ، فوجئت بثلة من صفوة علماء عراقيين ، وتربويين مثقفين وأدباء ، وحولهم محبيهم . قاعة ما كان فيها لمن خان العراق موطئ قدم ، إلا مساحة صغيرة في إهتمامات الحضور ، إهتمام من نوع آخر ، إهتمام لا تبجل فيه لذليل ولا مدح . إهتمام لا ذم مغرض فيه ولا قدح ، بل دعوات لإصلاح نفوسا أركسها مال السحت ، أو جاه زائف .
دخلت وحييت الحضور كما نحيي بعضنا ، إلا من وأحد بين الحضور ، أرتجفت أمامه ، وأنا الذي أحسب نفسي شجاعا ، إستكانت أحساسي في حضرة وقاره وهيبته ، وتلعثمت عند بشاشته وتواضعه . أطرقت وجلا ، ثم رحت أجول في عينيه ، فعادت بي على الفور أيام عز عاشها العراق ، عانق عندها الذرى ، ثم علا فيها وأعتلى ، فغبطته نجوم السماء والثريا . ثم أنحت له فرفعها لتعتلي .
نسيت كلامي كله عند حضرته ، وكأن لساني قد إنعقد . بل أسيرا كنت أمامه لا أقوى على شيء ، إلا من تلذذ بحلاوة أسري .كل شيء أختلف عندي ، وحتى تعلثمي ، أحسست إني تخطيت به المتنبي ، فالكلام إذا يطوع كيفما يريد أبو الطيب ، فها هو الكلام قد هرب مني .
هرب الكلام مني ، وكيف لا يهرب ؟! وأنا أمام من كان وما يزال رغم الكبر طاقة كيميائية متجددة ، ، حريص على كل ذرة من حياته ، ومازال كما كان نووي التفكير ، الكتروني الحضور ، معادلات هي كل حركاته ، ميكانيكي الروح ، صاروخ عابد قض مضاجع الظالمين رغم بعده عنهم . فعال قادح العقل ، مفاعل مخصب . بفعله وفعل إخوانه كان العراق طاقة متجددة . طاقة أرهقت كل عدو وأماتته رعبا قبل أوانه . وأثلج العراق بهم قلب كل محب ولكل مستغيث كان العراق غوثا ما أقربه وما أغناه . هو قامة طولها طول العراق ومنه أستمد عزمه ، ومنه أستخلص عنوانه . فهو إبن العراق كان ومازال وسيبقى ، طالما نأى بنفسه عن رذائل مابعد 2003 وعن مصادرها .
مسك بيدي " طبطب "، عليها ، هدأت ، عادت بعض قواي ، إلا من الكلام ، فمازال يجافيني . والموقف يحتاج تحية ، والتحية بعضها كلام ، والمعني لا تكفيه تحية كالآخرين ، فهو ليس كل الآخرين . والآخرين يترقبوا ما أنا فاعل . فأسرعت ليداه أقلبها ، أنحنى كعادته حين يحيي من يحييه ، ولكن هذه المرة ليسحب يده ، إنتهزت فرصة دنوا رأسه مني ، فقبلت رأسه .
أنتبه الحضور ، إستغرب البعض ، وبعضهم إنطبع التأيبد على محياه . دمعت عينون البعض لأنها عرفت مقام من نحيي . وبعضهم أستغرب وفي عينيه ألف سؤال وسؤال .
أحسست ، أني ملزما بالتوضيح في وقت لايسمح لي بالكلام كثيرا . فقلت وأن كان لساني مازال معقودا ، نطقت عنوة دون تفكير ، أو سابق إعداد أو تدبير . قلت موضحا للمستغربين ما قمت به من خصوصية التحية . قلت بصوت أقرب للهتاف ؛ من يعرف هيبة بلاده ، يعرف هذا الرجل وأمثاله . وأردفت ؛ لا تسألوني عنه أكثر . فما كنت أتوقع أن القاه يوما ، لاستعد للإجابة . ولم أكن أعرفه عن قرب ولم يجمعني به مقعد دراسي ، ولا حقل عمل مشترك ، كان بعيد عني موقعا ، وأعلى همة . كنت أنظر اليه وهو تمر برحي في عرجونه ، وأنا عند الفسيل أرنوا إليه . هو حيث الثريا، وأنا عند الثرى .
وكررت ؛ من يعرف هيبة بلاده ، يعرف هذا الرجل وأمثاله . أنه الأستاذ الدكتور فاضل وليس كل فاضل فاضل ، وأنه الجنابي ، وليس كل جنابي فاضل ، هو العالم ، وسل العالم عنه ، هو علوم ودع العلوم تتحدث عنه بكيمائيها وفزيائها وذريتها ونوويتها ، هو العراق في شخص ، حين كان للعراق شخوصا ، حين كان في العراق عقولا يستدل بهم على موطن الحضارات ومنبع العلوم . هو شخص أكبر من شخصه ، هو عنوان أشمل من عناوين أخرى وأعمق ، هو فاضل وبيق فاضلا . بقي كبيرا بثباته وسموه فوق رذائل سعى لها المزيفون ، بقي عراقي الإنتماء والهوى ، عفيف النفس حر الرأي ، شامخ شموخ الجبال ومعطي عطاء النخيل . لذى حييته بتقبيل يديه المعطاء ، ورأسه الرصين الوضاء . وهذا أقل من حقه بكثير ، فهو العالم العراقي الجليل الأستاذ الدكتور فاضل الجنابي وأسمه غني ويغني . فمن يعرف هيبة بلاده ، يعرف هذا الرجل وأمثاله .

أضف تعليق

الاكثر قراءة