الأثنين 19-فبراير-2018

الراصد السياسي/ العدد الثاني/ منتصف تشرين أول/2013

 الراصد السياسي

دورية تعنى برصد المواقف السياسية العراقية والعربية

والدولية

تصدر عن الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية

العدد الثاني/ منتصف تشرين أول/2013

تصاعد جرائم الإبادة البشرية في العراق .

 سيناريوهات التفتيت المسربة والعقل العربي .

 

تصاعد جرائم الإبادة البشرية في العراق

تشير تقديرات متواضعة إلى أن عدد ضحايا العنف المنظم الذي شهدته مدن العراق منذ بداية السنة الحالية ولغاية الآن ، وصل إلى أكثر من 6000 قتيل إضافة إلى ضعف هذا الرقم من الجرحى والمصابين بإصابات خطيرة ،

وهو رقم أقل بكثير من العدد الحقيقي لضحايا القتل الممنهج ، والذي تحرص حكومة المالكي وأجهزته الأمنية والإعلامية على إخفائه ..

ورغم هول مستوى الجريمة المنظمة واليومية التي ترتكب بحق شعب العراق ، أمام صمت وتجاهل العالم ومنظماته ، يبقى الفاعل الحقيقي مجهولا بصرف النظر عن التخريجات البائسة للمالكي ، بتحميله القاعدة وحزب البعث مسؤولية ما يحدث ، وهي نغمة مكررة تدعو للسخرية مثلما تؤشر في نفس الوقت مسؤولية الأطراف الضالعة في ارتكاب هذه الجرائم..

المعروف لدى العراقيين ومن يزور العراق أن شوارع بغداد ، والمدن الأخرى ، الرئيسية منها والفرعية ، مزروعة بنقاط تفتيش لا تتجاوز المسافة بين واحدة وأخرى أقل من 100 متر ، وعلى هذا فالمفروض استحالة مرور عجلات مفخخة عبر نقاط التفتيش هذه ، ورغم ذلك فهذه المفخخات تجد طريقها السهل متجاوزة كل العقبات لتحصد مئات القتلى يوميا من مواطنين أبرياء لا علاقة لهم بالسلطة وصراعاتها المتفاقمة ..

في متابعة دقيقة من الراصد السياسي شملت أماكن التفجيرات وتوقيتاتها وجغرافية الاستهداف ، إضافة إلى معلومات موثقة تسربت من بعض الأطراف العاملة في مفاصل الأجهزة الأمنية ، وأخرى قريبة منها ، أكدت المعلومات وتحليلاتها ، أن من يقوم بتنظيم هذا الحفل الجماعي بالقتل ، هي أطراف مثلث ( حكومة المالكي ــ جيش المهدي ــ فيلق القدس الإيراني ) وهي أطراف حاكمة لها ذيولها مع ارتباطات مذهبية أخرى ، تدفعها جميعا صراعاتها على مواقع السلطة والنفوذ المرتبطة بدورها بعملية النهب المنظم لثروات العراق من عائدات النفط التي تجاوزت 100 مليار دولار سنويا ، وهي ثروة خطط لها أن تتبدد عمدا بدلا من توظيفها في التنمية وأعمار البلد ، فالمحتل الأميركي يتوافق بالأهداف مع الكيان الصهيوني وإيران معا ، بالإبقاء على العراق ضعيفا ممزقا ، هذا التوافق يترجم السياسات على الأرض بتوظيف عناصره باتجاهات تدميرية تعبر عن نفسها بقبول ممارسة هذا النمط من الجريمة .. أن استمرارية ومتطلبات هذا الكم الكبير من التفجيرات ، ناهيك عن سهولة حركة وسائلها ،يتطلب حماية أجهزة الدولة ومكونات سياسية لها قاعدتها التي توفر لها الدعم اللوجستي ، وهذا كله لا يتوفر إلا لجهات متحكمة بالأرض والقرار ..

تشير مصادر المعلومات إلى أن موجات الصراع بين مكونات مثلث التدمير هذا سوف تشهد تصعيد خطير خلال الأشهر المقبلة تمهيدا للانتخابات البرلمانية القادمة ، وهو صراع يغيب عن أهدافه المصلحة الوطنية العراقية ويتركز تحديدا بالسعي إلى أضعاف أطراف لصالح أطراف أخرى في نفس دائرة التوجه الطائفي المتصارع على مركز المغانم المقبول أمريكيا وإيرانيا..

سلطة المالكي وتشكيلات جيش المهدي وتفريعاته ، وفيلق القدس الإيراني ، هم وحدهم دون غيرهم من يتحمل المسؤولية المباشرة عن جريمة حصد أرواح شعب العراق .. هكذا تؤشر المعلومات والوقائع .

سيناريوهات التفتيت والعقل العربي

في خضم الحريق الذي تعيشه أغلب الأقطار العربية ، وبأشكال مختلفة حسب طبيعة وظروف كل قطر عربي ، يلاحظ كثرة التسريبات الصادرة عن مراكز بحوث غربية وأخرى صهيونية ، كلها تبشر بمزيد من شرذمة الكيانات العربية ، بل يذهب بعضها إلى وضع مشاهد مرفقة بخرائط توضح أشكال وحدود وحجوم الكيانات المتصورة المقتطعة من الحدود الوطنية للأقطار العربية ، تحت سقف ضرورات التغيير ، أخر نموذج من هذه التسريبات ، دراسة ( يشار أنها صادرة من البنتاغون ) عن مخطط يقضي بتفتيت الدول العربية قبل 2015 مدعومة بتشخيص لأوضاع الدول العربية بما فيها دول الخليج العربي ، متضمنة أهم الأبحاث والدراسات والتوصيات التي سبق وأن قدمتها معاهد وجامعات ومراكز بحوث عسكرية غربية ..

الدراسة ( التسريب ) المشار إليها تحتوي على 600 صفحة لطرق تخدير الشعوب بشعارات سياسية ( فئوية ـ مذهبية ـ مناطقية ) مع غزو إعلامي عن طريق الكثير من القنوات الفضائية ، إضافة إلى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي .. هذه الدراسة تستحضر مقالة المستشرق الصهيوني ( الأميركي ) برنارد لويس والتي بشر فيها بتفتيت العالم الإسلامي أساسا للتنظير التفتيتي الجديد..

الذي يهمنا أزاء مثل هذه التسريبات ، هو رد فعل العقل العربي حيالها ، وكيفية التعامل معها من زاوية درجة واقعيتها واحتمالات نجاحها إضافة إلى درجة صدقيتها أصلا .. البعض يذهب إلى أن الواقع العربي المريض والمعاش يتيح ويوفر فرص نجاح مثل هكذا مخططات ، ما دامت الإرادة النظمية الجمعية أو المنفردة غائبة وغارقة في الهم اليومي في حدوده الوطنية دون اعتبار للأخطار المتنامية ، وهي وجهة نظر مقبولة نظرا للأوضاع العربية السائدة عموما ، لكن الذين يذهبون هذا المذهب لا يطرحون في المقابل رؤى بديلة ذات أبعاد شمولية قادرة عل تفعيل الإمكانات العربية ووضعها في مصفوفة تفاعلية ترتقي إلى مستوى مجابهة تعادل التحدي لإفشاله ، وهو مأزق طال حتى الأحزاب والتيارات السياسية العربية ، حتى وصل الحال إلى تجاوز جماهير الأمة لمثل هذه التكوينات السياسية خاصة بعد تعرض تجربة العراق الرائدة للحصار والاحتلال ، والأنكى من ذلك أن المقاومة العراقية المسلحة والتي شكل البعث رأس النفيضة فيها وما يزال يعمل على رفدها بعناصر القوة لضمان استمرارها وزيادة فاعليتها وصولا للتحرير ، ما زالت هذه الملحمة الباسلة تعاني من غياب الدعم العربي ، خاصة من القوى والأحزاب السياسية ذات التوجه الوطني والقومي ، وهي حقيقة تفرز ضررا ذو بعد إستراتيجي ، وتعبر عن قصر نظر سياسي خطير انطلاقا من فهم حقيقي أن الاستهداف الغربي والإقليمي ذو أبعاد شمولية عامة ..

يذهب البعض الأخر في تعامله مع المشاهد التفتيتية المسربة عمدا ، باعتبار أن الذين يتحسبون منها ينطلقون من أيمانهم ( بفكرة المؤامرة ) وأن هذه الفكرة والتخوف منها ينطلق من هاجس لا أساس له ، ومن ثم لا وجود للمؤامرة .. الحقيقة أن القائلين بهذا يتناسون ، ربما عن قصد ، أن المؤامرة موجودة أصلا وتعبر عن نفسها يوميا بالاستهداف المباشر والممارس فعليا في أكثر من قطر عربي ، خاصة لجهة ضرب القدرات العسكرية العربية تحديدا ، حيث بدأ المسلسل بضرب جيش العراق أولا ومن ثم حل ما تبقى منه ، ثم أعقبه ضرب الجيش الليبي وتوريط الجيش السوري في حرب لا فائدة منها ، وقبلها إجراءات أستهدفت تفكيك أهم القدرات العسكرية اليمنية ، وأخيرا محاولة الزج بالجيش المصري في مواجهات مفتعلة أضطر لها في سيناء المضطربة تمهيدا لصفحة لاحقة ربما تفرض قيودا مضافة للقيود التي أوجدتها اتفاقات كامب ديفيد مع العدو الصهيوني، كل هذا يعبر عن ممارسة فعلية للمؤامرة الحاضرة في مفردات الحياة اليومية التي تعيشها الأقطار العربية .. المؤامرة أذا لم تعد ( نظرية ).. المؤامرة لم تطل برأسها فقط ، أنها تطل علنا بكل غاطسها مما يسقط منطق التعامي عن وجودها وتفاعلاتها المدمرة..

أخيرا .. رغم شراسة التحدي وخطورة نواياه ، فأن الأمة بإمكاناتها ومشروعية حقها المغيب ، قادرة على صنع نموذجها المقاوم المكافئ للتحدي ، ولها في مطاولة المقاومة العراقية وأستمراريتها رغم الزخم المعادي لها والمدعوم دوليا وإقليميا ، نموذجا عربيا رائدا يؤشر لبداية قوية وفاعلة ترنو إليها جماهير الأمة طريقا للخلاص .

     

الاكثر قراءة