الأثنين 22-يناير-2018

الراصد السياسي// العدد السادس / أوائل آذار ـ مارس 2014

دورية تعنى برصد المواقف السياسية العراقية والعربية والدولية تصدر عن الجبهة الوطنية والقومية والإسلامية

تحرير : د . قيس ألنوري

شؤون عراقية

الأنبار نموذج لعراق ثائر الملاحظ على أجهزة الإعلام الغربية والعربية التابعة أنها ما زالت تصور ما يجري في العراق ومحافظة الأنبار تحديدا ، على أنه مواجهة بين ( إرهاب ) وحكومة بغداد ، وهو خطاب يراد منه إضفاء شرعية على السلوك الأجرامي لحكومة المالكي الممارس على شعب العراق.

أن الأمر في حقيقته يتجاوز إضفاء الشرعية للحرب التي تشنها حكومة المالكي ، في الأنبار وغيرها من المحافظات العراقية ، إلى اقتراف جريمة طمس حقيقة أن العراق من أقصاه إلى أقصاه ، ينتفض لحقه في الحياة حين يحاول المالكي وبطانته الفاسدة اغتصابها لصالح المطامع الإيرانية المتلاقية بالأهداف مع إسرائيل وصولا للانتقال بالمشروع الشرق أوسطي إلى مراحله الإجرائية بأحكام سيطرة إسرائيل وإيران وتركيا على المشرق العربي .. صحيح أن الأنبار الآن هي البؤرة الأكثر اشتعالا في العراق ، لكن الأكثر صحة منه ، أن ثوار الأنبار هم مثال حي لحالة أكبر تمثل شعب العراق يعبر عن بسالته وطموحاته المشروعة ووعيه لمخاطر وحقائق استهداف العراق ، من هنا نفهم مغزى القلق الأميركي والغربي عموما وكذلك الإيراني من مخاطر امتداد الثورة طبقا لنموذجها المعبر في الأنبار ، وفي محاولة بائسة لتطويق هذا الفعل الثوري ، سارعت أميركا بإمداد المالكي بالأسلحة المتطورة وكذلك الخبراء ، مثلما تسارع إيران بإمداده بالأسلحة والمرتزقة لنفس الغرض ، وهو تعبير جلي عن تلاقي الأهداف التي لم تتقاطع يوما ما دام الأمر يستهدف أضعاف البنية العربية .. السلاح والمرتزقة الإيرانيون يقاتلون في سوريا ، ويقاتلون في العراق ويثيرون الشغب في البحرين ويمدون الحركات الطائفية التفتيتية في اليمن ويمعنون في الجسد العربي في الوقت الذي يروجون لخطاب زائف لم يعد يستره شيء بعد انكشاف علاقاتهم التسليحية مع العدو الصهيوني .. ما يجري في الأنبار أوسع وأكبر من اختزاله في جزء من العراق ، انه النموذج للرد الشعبي العراقي المتنامي حتى تصبح الساحة العراقية كلها مواجهة ثائرة ، حينها سوف يفتح شعب العراق صفحة من نوع جديد تعيد للعرب كرامتهم التي تجرأت عليها ضباع الأرض .  

شؤون إقليمية

طهران .. تل أبيب .. بغداد .. كل الطرق سالكة ليس جديدا ما كشفته صحيفة الغارديان البريطانية ، وما أكدته لاحقا مصادر إسرائيلية ، بشراء إيران لأسلحة وقطع غيار عسكرية من إسرائيل ، فالعلاقات التسليحية والأستخبارية بين الجانبين لم تنقطع بمجيء نظام الملالي عام 1979 ، بل على العكس من ذلك حين زودت إسرائيل إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعلومات الأستخبارية خلال الحرب العراقية الإيرانية وبموافقة وتشجيع خميني نفسه ، والتي عرفت بعد انكشافها بفضيحة لاحقا ( إيران غيت ) وهو ما عاد وأكده أبو الحسن بني صدر ، الرئيس الإيراني الأسبق ، في حديثه لقناة العربية مؤخرا. العلاقات الإيرانية ـ الإسرائيلية المتشابكة مع العلاقات الأميركية باتت حقيقة واضحة رغم حرص هذه الأطراف على جعلها طي الكتمان تلافيالأحراج القيادة الإيرانية التي تتلحف بشعارات تتناقض وسلوكها الحقيقي تجاه العرب والقضية الفلسطينية .. ثم تأتي الأخبار التي نشرتها مؤخرا وكالة رويترز ، بشراء حكومة المالكي السلاح والعتاد من إيران لتضيف صفحة جديدة من صفحات السلوك الإيراني المعادي للعرب وقضاياهم.. لا شك أن الأخبار التي نشرتها الغارديان ولاحقا وكالة رويترز هي أخبار سمحت السلطات الغربية ، الأميركية والبريطانية بنشرها ، لا تمثل إلا جزء من حقيقة أكبر تتمثل بدعم هاتين الدولتين للنظام الإيراني ما دام يخدم أهدافهما في العراق ، وهو دعم يتجاوز الدعم السياسي والدبلوماسي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير ، خاصة على الصعيد العسكري ، مما يفقد الخطاب الإيراني أي مصداقية فيما يخص دعاواه الكاذبة في معادة الغرب وإسرائيل ، لكن هناك من يجادل في المغزى من تسريب هذه المعلومات للصحافة وفي هذا الوقت بالذات ، لقد بات معروفا أن الغرب وأميركا تحديدا تريد من إيران أن تكون في المسار والحدود المحددة لها في التعاطي مع قضايا المنطقة ، وفي أطار شراكة غربية ـ إيرانية محسوبة لجهة ضبط المنطقة ( بمعنى أن تكون إيران أداة تنفيذ إقليمية ) مع توفير هامش من النفوذ لإيران في دول المنطقة ، وخاصة العراق والخليج العربي ، وهو هدف اتضحت أبعاده في المفاوضات النووية الجارية الآن بين الخمسة الكبار وألمانيا مع إيران ، وضوح هذا الهدف يأتي من إصرار الغرب بإلزام إيران بعدم تجاوز هذه الرؤية بتخليها عن برنامجها النووي العسكري . مقابل حزمة مغرية من الامتيازات الاقتصادية والمالية والسياسية ، لذلك من المتوقع أن تتوصل إيران إلى تسوية نهائية مع الغرب في الجولة القادمة من المفاوضات ، من هنا فأن تسريب معلومات عن صفقة السلاح الإسرائيلي ، وبيعها لأسلحة لحكومة المالكي ، وفي توقيت يسبق المفاوضات النووية القادمة ، ما هو إلى ورقة ضغط ورسالة موجهة للقيادة الإيرانية بكشف ما هم أعمق من المعلن فيما لو أصرت إيران على تجاوز الحدود المرسومة لها .. أن ازدواجية المعايير والدبلوماسية السرية التي يعتمدها الغرب في تعاطيه مع القضايا العربية وجدت غايتها في القيادة الإيرانية التي تعتمد تقية سياسية تظهر عكس ما تبطن ، وهو أسلوب ملتوي في السياسة طالما كان وما زال الطابع الذي يدمغ السياسات الإيرانية .

شؤون دولية

أوكرانيا مفتاح لحرب باردة ثانية ليس صدفة تصاعد الأزمة الأوكرانية بهذا الشكل المتسارع ، فالغرب حاضرا منذ البداية ، خاصة بعد تفعيل الدعم الروسي لنظام بشار الأسد وفشل الجولة الأولى من مفاوضات جنيف 2 واحتمالات التقارب المصري ـ الروسي ، أن لعبة الضغط والتجاذب الغربي الروسي في الساحة الدولية تعبر عن نفسها الآن بالساحتين السورية والأوكرانية ، فما دامت روسيا بوتين مصرة على دعم النظام السوري ، فأن الغرب جاهزا لتهديد الخاصرة الأوربية لروسيا عبر أوكرانيا ، وهو التكرار للنموذج الذي جرى نهاية السبعينات من القرن الماضي ، عندما غزا الجيش السوفيتي أفغانستان ونصب حكومة شيوعية هناك وأقترب من الخليج العربي ، صعد الغرب هجومه المقابل في بولونيا بتشجيعه ودعمه اللا محدود للمعارضة البولونية آنذاك و التي استطاعت في النهاية من إسقاط النظام الشيوعي والمجيء (بالتضامن) وقائده ( ليش فاليزا ) المدعوم من الغرب والكنيسة الكاثوليكية ، ثم لتشكل بولونيا لاحقا البوابة الغربية لإسقاط النظم الشيوعية في شرق أوربا .. القوى الكبرى التي تتحكم بخيوط اللعبة السياسية الدولية لا تلجأ للصدام المباشر بينها ، وأنما تعمد إلى ممارسة الضغط والتغيير بأشكال متعددة تتجاوز في أحيان ، وسائل الضغط السياسي إلى التغيير بالحرب أو إسقاط النظم من الداخل، وما يجري في سوريا أوكرانيا مثال حي على ذلك ، فالحرب في سوريا ما هي إلا مواجهة بين القوى الكبرى بالنيابة ، مثلما هو الحال في أوكرانيا ، وما سوف تسفر عن نتائجهما سوف يحدد مسارات جديدة هي في الغالب لمصلحة قوة عظمى على حساب الشعوب ، لكن السؤال الأهم يتحدد بمدى التفضيل الروسي بين الساحة السورية وبين أهمية أوكرانيا المتاخمة بحدودها للوطن الروسي ؟ الإجابة على هذا التساؤل سرعان ما سيظهر على الأرض ، حين يقبل الغرب بانتهاء الحدث الأوكراني لصالح روسيا فيما أذا أصرت الأخيرة على عدم السماح للغرب في تحويل أوكرانيا إلى مصدر تهديد مباشر لروسيا .. أنها المفاضلة في المواقع الأكثر أهمية على الصعيد الاستراتيجي ، وهذا هو جوهر الصراع على المصالح والموارد ومناطق النفوذ بعيد على ديماغوجية حقوق الإنسان ومصالح الشعوب.

الاكثر قراءة