الأثنين 19-فبراير-2018

تحديات الفكر القومي العربي بين الواقع الراهن والخطاب والاستجابات الحضارية

محاضرة ألقيت في ندوة الفكر القومي التي نظمها مركز ذرا للدراسات والأبحاث يوم 2 تموز / جويليه 2017 بإحدى قاعات جامعة السوربون بباريس

دراسة في ست حلقات

ا.د. عبد الكاظم العبودي

  1. الأمين العام لحركة اليسار التقدمي في العراق
  1. القسم الأول

    تحديات الواقع العربي

    بعد حصار وغزو واحتلال العراق 2003 وما أفرزته سنوات أحداث الربيع العربي وظهور ما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية"، وبعدها وبفعل درامي مفاجئ ومشبوه تم إعلان ما يسمى " الدولة الإسلامية في العراق والشام" التي عرفت وشاعت اختصارا بــ " داعش" وما يعقبها اليوم من تداعيات لازالت مستمرة من خلال الحرب القائمة على أراضي سوريا والعراق وليبيا واليمن وما يصاحبها من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في اغلب بلدان الوطن العربي مشرقا ومغربا، لذلك فان الفكر القومي العربي يقف أمام تحديات جديدة وهو مدعو أيضا لمراجعة شاملة لمواجهة الاستجابات الحضارية المطلوبة ؛ خصوصا وان الواقع العربي يعكس حالة من التردي والتصدع ، وهو في أقصى تراجعاته التاريخية.

    وإذا ما استمر الحال على هذا المنوال فان المستقبل القريب والبعيد يهدد أن يكون العرب خارج صناعة التاريخ، فهم اليوم في دور سلبي لا قرار له، وباتوا متأثرين لا مؤثرين، ومتفرجين غير مشاركين، ومقتادين غير قائدين، ومنفذين غير مخططين، وهم الأضعف اليوم بين أمم الأرض وشعوبها.

    وبتراجع دور النخب العربية على جميع المستويات وفشلها في إدارة مجتمعاتها نحو النهوض والتنمية والارتقاء الحضاري فان مراجعة الفكر القومي العربي باتت مهمة كل من يعنيهم الأمر به، قادة فكر، وسياسيين، وفاعلين اجتماعيين، ونخب علمية وتكنولوجية وأكاديميين باحثين في حقول علم الاجتماع والسياسة والثقافة وعلوم الحضارة والتاريخ.

    ورغم ان كثيرا من النخب الفكرية والسياسية العربية استسلمت لواقع من وهم ظنت به أنها من خلال حقب قصيرة نسبيا من عقود استلامها السلطة أنجزت في القرن الماضي مهمات معينة، منها الحفاظ على الاستقلال الوطني ومنجزات محدودة من التحرير الاقتصادي للخروج من التبعية ، ومحاولات بناء الدولة القطرية، إلا أن الواقع المعاش وحتى الأمس القريب يشير إلى أنها فشلت حتى في تحقيق أهدافها المعلنة الكبرى في انجاز الكثير من قضايا التحرر الوطني والقومي، وتحقيق مضمون شعاراتها في الحرية والوحدة وبناء الدولة القومية الكبرى، كما فشلت أيضا في ضمان احترام حقوق المواطنة لرعاياها، سواء كانوا من العرب أو من بقية الأقوام والاثنيات الأخرى المتساكنة مع العرب في اكثر من بلد آو إقليم عربي.

    وعلى الصعيد النظري فان عددا من تيارات الفكر القومي العربي التحرري عبرت عن مواقف تقدمية من قضايا الحياة، خاصة في موقفها النقدي من التيارات الرجعية والمحافظة والمتزمتة، وعبرت من خلال حصيلة كتابات العديد من المفكرين العرب عن موقف نقدي من التيارات السلفية.

    ورغم علمانية البعض منها فإنها لم تتوان عن محاولات تحرير الدين من الخرافة واللفظية والشكلية والاستسلام للواقع، ولكنها في ذات الوقت ووفق تصورات تكتيكية أخرى سايرت بعض التيارات المحافظة في مجتمعاتها، منها الدينية أو العشائرية والقبلية والجهورية للحفاظ على توازنات الحفاظ على السلطة فحاربت بعضا من تيارات التقدم واليسار، سواء في صفوفها أو من خصومها فكرست وضعا قمعيا لا مبرر له، سوى الوهم بنظرية المؤامرة والخوف من إسقاط السلطة فأطلقت العنان لقوى وأجهزة المخابرات التي أصبحت اليد العليا في السلطة والمجتمع، وحتى على تنظيمات الحزب الحاكم نفسه.

    لقد طرحت منذ أواخر الستينيات من القرن الماضي بعض التيارات الفكرية القومية كحزب البعث وحركة القوميين العرب والقوى الناصرية وقوى وحركات واتجاهات قومية رؤيتها حول علمنة الحياة الاجتماعية فتعامل مفكروها مع الدين كحالة استنهاض لأمة العرب، فجرى تمييز نظري بين " دين الرسالة" الذي بات يعكس موقفا جديدا من الحياة وبين " دين المؤسسة" الذي سار وفق أنماط تقليدية لم تملك روحا انبعاثية ونهضوية بمضمون ثوري وتحرري.

    وعلى مدى العقود الثلاث الأخيرة ، وإزاء تنامي نشاط قوى رجعية عربية، منها اتخذت من الدين وتياراته الاسلاموية السياسية مسارا في نشاطاتها فتعيد طرح سؤال جوهري وأزلي: (هل هناك واقع أمة أم حقيقة أمة عربية مأزومة) ويطرح البعض البديل الطوباوي بالحديث عن " امة إسلامية تتجاوز احتواءً مقصوداً لوجود الأمة العربية؟؟" .

    وقد استغلت مثل هذه القوى الرجعية نتائج الهزائم والنكبات العربية المتتالية في فلسطين 1948 والعدوان الثلاثي على مصر 1956 وقضية الانفصال بين سوريا ومصر 1961 وتحويل حرب تحرير الأراضي العربية المحتلة في سيناء والجولان وغيرها إلى حرب تحريك قاد ردتها الرئيس المصري أنور السادات 1973 وحيث استغلت القضايا التي تعرض لها العراق منذ 1990 ، وما بعدها لخلق وإشاعة حالة من التشكيك بجدوى الفكر القومي، وتحميل الأنظمة والأحزاب والقوى القومية الحاكمة خلال تلك الفترات المسؤولية في التراجع العربي العام، فطرحت قوى الإسلام السياسي شعارها " الإسلام هو الحل".

    إن الرد على مثل هذا الجدل سيتجاوز أطروحاته وعمومياته أعلاه من خلال العمل على تشخيص أولي ينطلق أساسا من تشخيص علمي لعناصر الضعف التي تكمن في واقع الأمة العربية ، بكافة شعوبها، على المستويات القطرية والقومية، وهي: التجزئة ، التخلف، التبعية، تسلط الأنظمة المستبدة والعميلة، تنامي الفكر الرجعي السائد، وأخيرا التأثر بالعولمة وشيوع الفكر الليبرالي الهجين الفوضوي والاستخدام الأسوأ للديمقراطية في تطبيقاتها المشوهة في عديد من البلدان العربية.

    ولعل أخطر العناصر تاريخيا، ومنذ بداية القرن العشرين وخلاله في الوطن العربي، تكمن في استهداف الفكر القومي ومنعه على مراحل من بناء وتحقيق وبناء الدولة الوطنية والقومية، والتي انتهت بتكريس حالة متقدمة من المشروع الصهيوني وهو " تجزئة التجزئة ، وتقسيم المقسم"، بدءاً من اقتطاع لواء الاسكندرون والأحواز وضمهما إلى دول الجوار الإقليمي تركيا وإيران قبل قرابة قرن، ثم استمرار حالات الانتداب والوصاية الاستعمارية البريطانية والفرنسية والايطالية على عدد آخر من بلدان الوطن العربي، مشرقا ومغربا، متحولا ذلك الانتداب إلى فرض وظهور دول النفط الخليجية وكيانات لا ترتقي إلى حالة دول، كالمحميات النفطية في الخليج العربي ، هذا يجري بالتزامن مع مراحل تنفيذ المشروع الصهيوني بتقسيم فلسطين وسلخها تماما عن الجسد العربي، والسعي إلى إقامة دولة الكيان الصهيوني على أراضيها منذ 1948 في سابقة دولية لم تتعرض لها حالة لوطن مستلب، تم ذلك بتوافق إرادات دولية معروفة، انطلاقا من وعد بلفور ومعاهدات سايكس بيكو وغيرها من المخططات المعلنة منها، وغير المعلنة.

    وهكذا كان هدف تقسيم اليمن، والسعي لاحقا إلى تقسيم العراق والسودان ومصر وليبيا ودول المغرب العربي، وهو المشروع القديم المتجدد الذي لازال قائما وموضوعا على طاولات مخططات الدول الكبرى المستعدة لتحقيق المشروع الصهيوني على مراحل، وأخرها تمكين العصابات الإرهابية المتبقية من فلول تنظيم القاعدة من إقامة دولة كارتونية مفضوحة أطلق عليها " الدولة الإسلامية في العراق والشام " داعش" والتي امتدت سلطتها على مسار مواقع النفط والغاز وطرق تصديره وتأمين وصوله إلى الموانئ المقصودة.

    وكما أن سقوط تلك الدولة الكارتونية داعش كان مكلفا جدا، حيث جرى وفق خطة نفذت بوضوح حيث تدمير وخراب شامل ومنظم طال لأهم المدن العراقية والسورية التي ارتسمت عليها خارطة داعش لتدمر مدن بكاملها مثل الفلوجة والرمادي وصلاح الدين والموصل وبيجي والشرقاط وأطراف من ديالى ودير الزور والقائم والرقة وطالت الحرب الأهلية في الشام مدنا وحواضر سورية في الرقة وحماه وحلب وأطراف وأحزمة عواصم عربية كبرى مثل بغداد و دمشق .

    والعنصر الثاني هو سيادة التخلف والفقر، في عديد البلدان، فقد تدهورت أوضاع أغلب البلدان العربية الاجتماعية والاقتصادية، حتى بات ينطلق عليها القول "أنها تحولت من بلدان نامية إلى بلدان ينمو فيها التخلف".

    ويبدو ذلك واضحا من تراجع كبير لمؤشرات ومعدلات التنمية الحقيقية، رغم انتشار مؤسسات التربية والتعليم والثقافة والخدمات الصحية وانتشار وسائل الإعلام ، خاصة في دول الريع النفطي، إلا ان الفجوة العلمية التكنولوجية أفرزت مظاهر تخلف مضاعفة أخرى، سنتطرق لها في سياقاتها العامة والخاصة.

    كانت لعوامل التبعية الاقتصادية نتائج ثانوية انعكست على تفاوت النمو بين البلدان العربية وتشجيع النموذج الارتدادي في الفكر لدى قطاعات شعبية هامة، أهمها مشاغل الشباب الذي يشكل 60 % من نسبة السكان في الوطن العربي، دفعته ظروف البطالة والتعمية الفكرية والفراغ السياسي إلى تبني أفكار الرجعية السلفية بكل مظاهرها، وهي تمثل الارتداد عن روح العصر ومنطق الحداثة، بحيث دفع الانغماس لقطاعات كبيرة من هؤلاء الشباب، وبتمويل سخي، وتنشيط وترويج إعلامي من دول النفط الخليجي إلى التورط والانخراط بكل أشكال الإرهاب، بدء من حمل السلاح والتوجه للحرب في أفغانستان، وبعدها النشاط ضمن تنظيمات القاعدة ، وما انشطر منها، وعودتهم لتبني مثل ذلك الإرهاب وتطبيقاته ضد أبناء جلدتهم وشعوبهم، كما حدث في سنوات العشرية الدموية السوداء في الجزائر(1990 ـ 2000) وبعدها أوضاع العراق وسوريا واليمن وليبيا منذ 2003.

    ان الحكومات العربية الفاسدة التابعة للغرب وبتأثيرات منه عملت على استبعاد النخب القومية وذوي التوجهات الوطنية من الوصول إلى التواجد في النخب السياسية صاحبة القرار في إدارة الحكومات والجامعات والصحافة وقطاع الأعمال وغيرها، مما سبب إرباكا واضحا في التوجهات السياسية والفكرية لهذه النخب ولتلك الدول نفسها، انعكس على قضية غياب الوعي والهوية والتوجه لاحقا في الانغماس في اللهو الفارغ وضياع الانتماء الوطني والقومي، وفقدان التمسك بالهوية.

    كما حاول الغرب والصهيونية زرع بذور عدم الثقة في قدرة العرب على استيعاب العلوم والتكنولوجيا، وضعف العرب في قدرات البناء والتنمية وإعادة الأعمار، وأنيط الدور الرائد في التخطيط والتنفيذ لكبرى المشاريع للشركات الاستشارية الغربية والمقاولين التابعين لها والمهندسين الغربيين، حتى استصغر العرب أنفسهم، ووصلوا إلى طلب الحماية الأمنية لدولهم ومدنهم ومؤسساتهم، وعجزهم حتى من مواجهة عصابات الإرهاب السائبة والمنفلتة، وتعرض بلدانهم إلى الاجتياحات الإقليمية المسلحة ومظاهر العصيان، وصولا إلى ظهور دول منحرفة وشاذة مثلتها "داعش" التي سادت على مدى ثلاث سنوات وهي تسيطر على أراضي واسعة من العراق وسوريا ومثيلات داعش مجسدة بصور أخرى مثل ظهور سلطة الدولة المليشياوية داخل الدولة، كما جسدها وضع حزب الله اللبناني على ارض لبنان، ودولة الحوثيين في اليمن، والتغول الكردي الانفصالي في شمال العراق وسوريا على حساب تراجع وانعدام سيادة الدولة العربية القائمة هنا وهناك.

    ظل تكريس حالة التخلف والتجزئة هو هدف مزدوج للنظم العربية التقليدية، وهو ما ينسجم مع تطلعات نهب النظام الرأسمالي العالمي الجديد، فهذه الدول انكفأت إلى الماضي ومنعت التطور الحقيقي لشعوبها؛ رغم أنها تمظهرت بتوريد الحداثة من مبان وأنماط استهلاك متردية ومنفلتة، وإعلام مرتبط بمنظومات العولمة الثقافية ، فمنعت من ظهور نخب سياسية واجتماعية قطرية منها أو قومية، خصوصا أن حركة رأس المال والشركات الاحتكارية وظهور حيتان الفساد المالي والإداري عملت على منع من ظهور الطبقات الاجتماعية الوسطى بتشتيت النخب العربية إلى مجموعات تعتاش على ريع السلطة وأعطياتها وإكرامياتها، سواء بتمرير صفقات الفساد أو عبر تعاطي الرشاوي المقننة.

    إن الغالبية من فئات الطبقات الوسطى يدفعها تردي الأوضاع إلى المزيد من الانسحاق ضمن طبقات الفقراء والمهمشين أو إلى الهجرة والنزوح عن أوطانها ومدنها.

    كما تدفع البطالة والحاجة إلى العمل إلى توظيف الدين ورجالاته وأحزابه ومؤسساته الطفيلية على الهامش الاجتماعي التي تدفع نحو تبني أنماط من النماذج المشوهة فعززت من انتشار دائرة الاضطراب الاجتماعي والتصادم وحصار الفكر القومي المتنور فساد القلق ليدفع إلى حالة عدم الاستقرار وانتشار الصدامات المذهبية والطائفية والاثنية، وصولا إلى حالات تخليق فرص الحروب الطائفية والأهلية الخطيرة، كانت مسارحها لبنان والعراق واليمن والسودان وكلها تندرج تحت باب توجهات المخططات الامبريالية القديمة الجديدة لتفتيت العرب وتلاقي الترحاب والتعاون والتنفيذ من قبل حكومة إيران وتطلعات قيادتها الطائفية وما توحي به أحلام تصدير الثورة الخمينية والاضطراب في بلدان الوطن العربي.

    وإذا كانت رياح العولمة لدى البعض أنها قد تكون سببا وفرصة في إنعاش أحوال العرب؛ إلا أنها تبدو في جوهرها ونتائجها القريبة والبعيدة عملت على آليات ونظم أخرى، خاصة على استهداف الفكر القومي، بمحاولات دمج المجتمعات العربية في النظام العالمي الجديد بتعويمها على شعارات ليبرالية ظاهرية تدعو لفظيا إلى حقوق الإنسان والديمقراطية وتحرير المرأة وظهور منظمات المجتمع المدني، في حين ركز الإعلام المعولم على استهداف منظم ومقصود للمؤسسات القومية واستهداف الفكر القومي ومنظماته وأحزابه السياسية، ولمنع التقارب العربي وتفكيك ما تبقى من حركات كانت مهتمة في النشاط إلى حد ما في حراك حركة التحرر الوطني والقومي العربية التي انبثقت في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومنها كانت الداعية لاستكمال بناء الدول القطرية العربية ودفعها إلى التكامل والاتحاد ضمن المجموعات أو التكتلات العربية التي انبثقت في مشرق ومغرب الوطن العربي دون ان تصل إلى حالة الوحدة والتكامل الاقتصادي المنشود والمطلوب.

    لقد تم إشغال الوطن العربي دوما بأخطار واستهدافات مرتبطة بسياسات الدول الكبرى والإقليمية وتدخلها في الشأن العربي وهي تدخلات الكيان الصهيوني، ايران، تركيا، أثيوبيا، السنغال وخلفهم دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وبريطانيا والاتحاد الأوربي.

 

 

القسم الثاني

حول الخطاب القومي العربي

خطاب مأزوم لحالة مأزومة في ربوع أمة باتت مأزومة

إن ابرز ملامح النكوص والتراجع في الخطاب السياسي القومي تعكس حالة ينبغي مراجعتها بإرادة نقدية شاملة لمحتواه وأسلوبه وتوجهاته الحاضرة والمستقبلية.

ولا شك أن جزءا كبيرا من موروث هذا الخطاب وتشكله تعود إلى التركة السياسية ما بعد الفترة العثمانية، وتنفيذ اتفاقيات سايكس بيكو، وتشكيل بنيات ظهور الدول العربية القطرية، وبعدها تباين مستويات ومراحل التطور الاجتماعي والاقتصادي لكل بلد عربي، فمنذ الثلاثينيات بدت إرهاصات ظهور حركة تحرر وطني وقومي عربية، تأخرت في تشكلها وتمظهرها القومي، منذ أن فشلت ما سميت به بريطانياً بــ " الثورة العربية الكبرى" التي أسندت من قبل بريطانيا وضباطها وجواسيسها إلى زعامة دينية وعشائرية كانت هشة، تزعمها الشريف حسين وأولاده، وبتعاون تام مع الانجليز حيث تم تسليم مقادير الأمور إلى السلطات الاستعمارية البريطانية وفرنسا ووكلائها لبناء دول عربية مصطنعة وفق الخرائط الموضوعة لها ، ووفق رغبة وإرادة المقص الاستعماري الغربي ، حيث منحت بعض النخب والعائلات استقلالا مزيفا وتابعا في العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان؛ في حين ظلت أقطار عربية أخرى تحت الحماية والانتداب لبريطاني مثل محميات ومشيخات الخليج العربي وعدن وفلسطين وأقطار المغرب العربي.

ان الدولة العربية القطرية قادتها نخب اجتماعية وسياسية ارتبطت وشائجها مع دولة الاستعمار الأم؛ ومنذ الثلاثينيات ظهرت دساتير ومؤسسات لدول هشة في العراق ومصر وبلاد الشام، وظل التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي سمة عامة لها مما جعلها ترضخ تحت الهيمنة الغربية الاستعمارية الكاملة، وازداد هذا الارتباط مع ظهور ثروات النفط لتوضع الثروات المكتشفة ووارداتها بيد عوائل وحكام تصرفوا بها كثروات شخصية أو عائلية أو قبلية وعشائرية، مما ولد تناقضات اجتماعية وسياسية كبيرة وحادة؛ تتجلى في شكلانية تسيير الدولة، وسيادة الأعراف والقيم العشائرية والجهوية والإثراء الفاحش الذي تجاوز المعقول والخيال وبجانبه فقر وتخلف مريعين.

وفي أوضاع كهذه لم تتبلور بشكل واضح ملامح دولة القانون والمواطنة والتمييز بين السلطات، وانعدام مؤسسات الرقابة والسيطرة، فحدث ذلك الخلل البنيوي على كل المستويات الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية والتفاوت التنموي حتى داخل البلد والقطر الواحد.

وبتكريس قيم الفساد في منظومة الحكم، كان اللجوء إلى الانقلابات العسكرية والتمرد على الحاكم وسلطاته طريقا لبعض الانقلابيين الذين وجدوا في واجهات وشعار الفكر القومي متنفسا لهم للتضليل في مواقف عدة للتكسب والحفاظ على مغانم السلطة الانقلابية، و للحفاظ والبقاء على قمة سلطات الانقلاب دون الوصول إلى الشرعية الديمقراطية المنشودة في البقاء في إدارة حكومة منتخبة وديمقراطية تعتمد سبيل التناوب على السلطة بإرادة شعبية ووفق دساتير دائمة وعادلة.

وهكذا كان تصعيد وتأجيج الخطاب القومي السياسي أسلوبا ديماغوجيا استثمرته كافة الانقلابات العسكرية العربية التي رفعت درجة مسميات الانقلاب إلى توصيف ثوري مبالغ فيه.

ولم تحقق تلك "الثورات الموهومة" انقلابا جذريا في مجالات الحياة العميقة في أقطارها، في تلك البلدان، وخاصة في مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا وحتى أن تلك الظاهرة طالت الجزائر المستقلة بعد انتصار ثورتها بقيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي واجهت هي الأخرى انقلابا عسكريا مبكرا 1965على سلطة الرئيس احمد بن بله الذي وصل إلى السلطة بعد انتصار ثورة وطنية تحررية حملت السلاح لثمان سنوات، وتمكنت من طرد المحتل بعد 132 سنة من الاحتلال البغيض، وهكذا كان الحال في اليمن الجنوبي وقبله الشمالي.

ان تركة الخطاب القومي العربي لازالت مأزومة، بماضي قريب وبعيد، وهي ثقيلة جدا بمفردات هذا الخطاب واجتراره، وطالما أنها لم تتخلص بعد من شعاراتها ومفرداتها الانقلابية الثوروية، ولم تجر وقفة جريئة وشجاعة إزاء تشريح حالات تلك الانقلابات وظروفها وكشف القوى والشخصيات التي تاجرت بالفكر القومي، وكذلك كشف اللثام عن تمجيد بعض المفكرين القوميين العرب للدكتاتوريات العسكرية والانقلابية التي قادت إلى عديد المغامرات والهزائم المعاصرة في تاريخنا العربي .

منذ منتصف القرن الماضي، رغم المحاولات النظرية التي قادها كتاب ومنظرون سياسيون قوميون، في محاولات منهم لتحليل الواقع العربي، منها تناولت جملة من الظواهر العربية، خاصة:

• نشأة الدولة القطرية في البلدان العربية.

• العلاقة بين الدين والقومية.

• محاولات في البحث في طبيعة تكوين علاقة توافقية بين الديني والقومي.

• التمييز بين الإسلام والإسلام السياسي.

وبمصارحة تاريخية يجب ان نقولها انه لم تجر مناقشة كل هذه الأمور بمنظور فلسفي وفكري محايد؛ بل غالبا ما تم ذلك الحوار القومي الإسلامي على استحياء ، وخصوصا بعد الهزائم والنكسات القومية العربية الكبرى، حيث تسارع القوميون والإسلاميون تحت ضغط الأحداث السياسية والاجتماعية إلى اجتماعات ولقاءات مستعجلة وإجراء حوارات لم تنضج بشكل كامل حيث تم الإعلان عن بناء مؤسسات وتشكيلات ومؤتمرات ما أن خرجت أفكارها ومواثيقها إلى جمهورها خارج صالات المؤتمرات إلا وعادت أجواء الانشقاق والريبة والتهم تطلق من هذا الفصيل أو ذاك، لتطال بنقدها فصيلا آخرللأسف كان ذلك يحدث بالأمس،ولازال سائدا على العموم حتى هذه اللحظة.

للتذكير: عندما انطلق الفكر القومي العربي ( بشقيه الناصري والبعثي) فانه حرص في منطلقاته النظرية على التأكيد أن لا تعارض أو تناقض مع الوعي الإسلامي، وقيمه الجوهرية، وخاصة في مضامين أهداف تحقيق العدالة الاجتماعية؛ بل وصل الأمر أن البعض من المفكرين القوميين بات يؤمن بالتبادل والتفاعل بين الفكرين القومي والإسلامي، ووصل الأمر: إن البعض بات يؤمن بالتبادل والتفاعل بين الفكرين أيضا، والى اعتبار التعامل مع العلمانية قضية فيها وجهة نظر، وتعامل معها آخرون كما لو كانت شكل من أشكال الكفر، وذهب البعض إلى النصيحة والابتعاد عن نقد الفكر الديني، كمسلمات فكرية توضع في خانة الاتهام بالإلحاد، وكلها أثبت الواقع والتجارب أنها مجرد نظرات نظر واجتهادات مغلوطة من أساسها.

وفي الوقت الذي يدعو فيه غالبية كتاب الفكر القومي إلى الجمع والوحدة من خلال المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي الإسلامي ومؤتمرات الأحزاب القومية والإسلامية، عناوين ومؤسسات عدة ظهرت في التسعينيات من القرن الماضي كان بعض دعاة الفكر الإسلامي يتعصبون ويتصل بهم التطرف إلى تكفير مجتمعات بكاملها؛ مما وضع في يد المجموعات الإرهابية التي يطلق عليها " التكفيرية" الحجج لتمرير خطابها المتطرف حتى باتت انتقائية في توجيه تهمة الكفر والزندقة لكل من يخالفها توجهاتها، بمن فيهم تيارات إسلامية سلفية ومعتدلة أو مذهبية أخرى، ينكرون عليها حق الحوار والتوحد والاتحاد والاختلاف معهم، وذهب هؤلاء في تعبئتهم المتعصبة إلى اعتبار الفكر القومي فكرا عنصريا تتوجب محاربته واجتثاثه وتصفية رموزه.

وهنا لا بد من التذكير والإشارة إلى بروز وتغلغل تيارات الشعوبية المبطنة بلبوس طائفي في جسد وهياكل المؤتمرات الإسلامية وعملها العلني والمستتر تحت واجهة الحوار والتقريب بين المذاهب والطوائف.

لقد واجه الفكر القومي والعروبي تآمرا شرسا حتى من رجال الدين العرب الذين اشتغلوا من خلال منابرهم وكتاباتهم ودعواتهم إلى: (... فصم الوحدة العضوية بين العروبة والإسلام)، مندفعين أكثر نحو المجموعات العرقية والاثنية والقومية ،غير العربية، لاستعدائها على الفكر القومي والعروبي باسم الإسلام، وهكذا جندت تنظيمات من حركة الإخوان غير العرب في تنظيمات اسلاموية، وحتى إرهابية، انتشرت بين أبناء الأكراد والامازيغ والأتراك وغيرهم.

وما لم تحل هذه الإشكالية والازدواجية في الفكر القومي العربي فستبقى "العلاقة الروحية" بين العروبة والإسلام تحمل تناقضات عدة منها :

في تصادمها مع التيارات الدينية الإسلامية المتطرفة وسعيها من خلال ما طرحته من أفكار تسعى لبناء أنظمة سياسية دينية " ثيوقراطية" على شاكلة النظام الإيراني، وتكريس سلطة ولاية الفقيه، وصولا إلى بناء سلطة " حكم الله على الأرض"، أو " دولة الخلافة" وتبني العنف والحرب وحتى الإرهاب كوسائل وصول لتحقيق تلك الأهداف.

نمت هذه الظاهرة بوضوح بعد عودة خميني إلى إيران، وبما فكرت به المؤسسة الصفوية الفارسية الحاكمة بعده ، حيث عملت بمبدأ تصدير الثورة واستخدام نفوذها المالي والسياسي والتعبوي لاحقا لاحتواء الحركات السياسية والمذهبية الأخرى، بما فيها توظيف أجنحة وشخصيات من حركة الإخوان المسلمين والقاعدة، وحتى داعش، وجرها لتكون ادوات تحقيق المشروع ألصفوي الإيراني في عديد البلدان العربية، فكان لهذا المشروع هدفا رئيسيا هو استهداف الفكر القومي العربي وشيطنته، وخاصة في التركيز على بدايات انطلاقه وتبنيه من رواد الفكر القومي من ذوي الديانة المسيحية كالراحل المفكر القومي الأستاذ ميشيل عفلق وغيره من رواد الفكر القومي والعروبي.

لقد اهتم الفكر والبحث الاستشراقي الغربي بهذه الظواهر وعمل على تغذية النزعات فيها واستغلالها، ولعل كتابات مكسيم رودنسون تتقدم على غيرها حيث تقدم هذا المستشرق غيره محاضرا وكاتبا وباحثا عبر العالم ومن كتاباته " الإسلام والرأسمالية 1966" ، " الماركسية والعالم العربي 1972" و " محمد بطبعتين 1961 وبعدها المنقحة في1979" ة " " العرب 1972" و " جاذبية الإسلام 1980 و 1989" وغيرها.

ولعل كتابه " الإسلام سياسة وعقيدة" قد أصاب ببعض تحليلاته التي تؤكد ارتباطاته السابقة بوصفه باحثا وكاتبا ومستشرقا يعتبره البعض كما انه يعترف أيضا انه من خوارج الماركسية ومنشقا عن الأرثوذكسية الماركسية وأحزابها الشيوعية .

ورغم أن ماركسية رودنسون ظلت انتقائية ، لكن بقيت في قراره نفسه ما كان متأثرا به من منظور ماركس، وهو الميدان الأخلاقي؛ لذلك تراه يعتبر انه لا يوجد إلا ثلاثة أشياء يمكن للإنسان أن يتفانى فيها إذا أراد تجاوز مناخ الأنانية المستوية ، هي: الإله، أو الإلهة ، والوطن بالمعنى الأوسع، أي البنية التي ولد فيها، وأخيرا هناك الإنسان بوجه عام .

وقد اختار ماركس الإنسان بوجه عام، وانضم إليه أيضا رودنسون في الاختيار، وهذا يضعه في حالة تعارض على ما يقول مع كل النزعات الأصولية، عرقية كانت أم قومية ، أم دينية؛ ولكونه ابتعد في مناحي كتاباته عن العالم الإسلامي عن تلك النزعة المركزية الأوربية، التي ترى في المجتمع الأوربي كنموذج كوني اعلي، وترى فيه صالحا للمجتمعات، كما تعتبره الكثير من الكتابات الأوربية متفوقا على المجتمعات الباقية من النواحي العسكرية والاقتصادية والتقنية . رودنسون لا يقبل بنقل تطبيقات أصحاب مثل هذه النزعة الأوربية بالنسبة للعوامل الفاعلة في هذه الحضارة الأوربية ونقل تطبيقها بشكل ميكانيكي وفرضها على العالم الإسلامي.

وهكذا كان رودنسون يتصدر في مقاربته للعالم الإسلامي بميزته كباحث من مخالفة تلك المنطلقات الفكرية التي سادت في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وهي أولوية تقديم النموذج الأوربي وتفوقه، فالمنطلقات التي يأخذ بها رودنسون يوضحها بقوله : " إني أرفض أن اعتبر الإسلام كلا مفهوميا ، أو منظومة من الأفكار والممارسات واختيار حياة سوف تكون أساساً ونواة لكل أنواع السلوك العام والخاص للعالم الذي يعلن إيمانه باعتناق هذا الدين ، ولهذا أفضل أن أتكلم عن المسلمين أكثر مما أتكلم عن الإسلام، مع أنني ، على صعيد آخر أولي اهتماما للعقيدة والإيمان، ولما يرتبط بهما من شعائر ، إلا أنني اعتبر أن حياة العالم الذي يؤمن به الدين الإسلامي لا يمكن أن تفسر بكاملها بهذا الدين نفسه.

إن تفضيل رودنسون الكلام عن المسلمين أكثر من الكلام عن الإسلام يعود إلى اعتبار: " إن الكلام عن الإسلام يدخل في نطاق الفكر المثالي الذي يرى العقيدة خارج المؤسسات التي تتجسد فيها". ويعود رودنسون إلى " اعتباره أن الانسياق إلى مثل هذا التحليل يقود إلى مقاربة المسيحية بالمنوال نفسه ، أي أن ننسب للمسيحية كل الأعمال الحسنة والشائنة التي قام بها عبر التاريخ البابوات ورجال الكهنوت ، إضافة إلى الأباطرة والملوك في العالم المسيحي" ويضيف كذلك: [كان هتلر معمدا، وبينوشيه المسيحي في الظاهر لا يقل إيمانا عن الأم تيريزا]، ويوضح وجهة نظره: " هناك تنوع هائل بين البشر الذين يعلنون إيمانهم بالمسيحية من خط الاستواء إلى القطبين" ، وعلى ما يقوله رودنسون " فلا لاهوتيو الثورة في أمريكا اللاتينية مسيحيون تماما مثل رؤساء دير سان نيكولادو شاردونيه الأصوليين، وليس بمقدور أحد أن يضع ذلك كله في الجعبة ذاتها وان يشتق كل الفكر الأوربي ـ الأمريكي من تعاليم يسوع، فإذا فعلنا ذلك وقعنا في سخف كبير ، واضح لكل ذي عينين، بيد أننا نفكر تماما بما يشبه هذه الصورة عندما نتكلم عن العالم الإسلامي".

يعتبر رودنسون في تحليله لقضايا الحداثة والعالم الإسلامي ، وتحديدا تشخيص موقفه من قضايا ومشاكل السلطة وإدارة المجتمع في العالم الإسلامي: " إن النخب الإسلامية في القرن التاسع عشر سجلت عجز العقيدة الأخلاقية ـ الدينية عن تحقيق مثلها الأعلى ببناء دولة الإسلام الأول، أيام النبي العربي الكريم، فلجأت تحت تأثير الحداثة إلى تجريب بعض الوصفات الغربية، ومنها وصفات عقيدة الحرية السياسية ، ووصفات عقيدة التحول الاقتصادي الاجتماعي، وقد قدمتها تركيا الجمهورية، كما قدمتها إيران إلى شعبها، كما قدمتها مصر وسوريا ولبنان في بلدانها ، لكن هذه الوصفات التي قدمت كأنها الأساس في قيادة العرب نحو الحرية والغنى والتقدم . ولا بد أن تكون لها النتائج نفسها في الشرق، كانت خادعة إلى ابعد حد، إذ أن تبعية العالم الإسلامي للسوق الرأسمالية العالمية والتوسع الديموغرافي المرتبط بالانجازات العامة، لم تؤد إلا إلى تعمق بؤس العدد الأكبر من الناس.

"أن الوصفات الطوباوية التي اقترحها الغرب لم تخلص العالم الإسلامي من تخلفه، كما أن الترياق الإسلامي، الذي يعد به أنصار المنظمات الأصولية لم يخلص المسلمين من الشرور الاجتماعية" ذلك ما يراه المستشرق الفرنسي رودنسون ؛ " لان الطوباوية تنفي قوانين التاريخ، والترياق يتعلق بعوامل فوق إنسانية، من هنا كانت أسئلة المستقبل".

بعد أحداث 11 سبتمبر وتفجير برج التجارة العالمية 2001 ، وجدت التيارات الاسلاموية الإرهابية والمسلحة متنفسا لها باقتران خطابها بالتوافق مع الإعلام الغربي وعززت بتبنيها تلك الهجومات دعايات اليمين المتطرف الغربي والمحافظين الجدد، وبذلك دعمت بسذاجة إعلامها الغبي، اتهامات الحركة الصهيونية العالمية للغرب والمسلمين، وبتوصيف الإرهاب العالميـ، إسلاميا، وإلصاقه حصريا بالعرب، وبطائفة محددة من المسلمين، دون غيرهم من الأقوام في العالم، وبهذا تحقق لبعض الإسلاميين المتطرفين، من غير العرب التستر والاحتماء وراء قومياتهم وبلدانهم ووضع العرب في قفص الاتهام .

كانت أحداث الربيع العربي المفصل التاريخي الهام الذي يستحق الوقوف عنده طويلا لتحليل عناصر ومكونات الخطاب العربي الذي كان مغيبا على المستوى القومي تاركا للإعلام القطري بقيادة مطابخ وزمر الخبراء في قناة الجزيرة وأخواتها خصوصا وبقيادة محترفي الإعلام الغربي، حيث جرى تسيير الرأي العام العربي وتوجيهه انطلاقا من محطة وأحداث تونس، وما تلاها تباعا من تساقط أحجار الدومينو العربية، بلدا بعد آخر، حيث ساد الخطاب الاسلاموي الاخواني بوضوح ، وبما اتسم به من ديماغوجية خلط الأوراق كلها ، تمهيدا للقفز إلى السلطة، عبر كل الوسائل الميكافيلية، بما فيها التعبئة الجماهيرية والحشود، وتقديم الإخوان المسلمين كواجهة ومحرك وقادة للأحداث دون غيرهم من الأصوات وتجاهل قادة الميادين في الساحات والمدن الأخرى،.

وهكذا تراجع الخطاب القومي أمام تصاعد زخم الخطاب الاسلاموي بدعم إعلامي انتقائي غذته الأوساط ووسائل الإعلام الغربية بمكر ودهاء، كان خطابا لاهثا وراء الصورة والخبر العاجل والإلهاء بوعود سقوط الأصنام والحكام ، وكان مدروسا لتضليل الإرادة الشعبية وتجنيد زخم فئات الشباب في ساحات التظاهر والاعتصام وبعدها القبول بالنزول وقبول إجراء انتخابات لم يعط لها الوقت الكافي لتعبئة القوى القومية وجماهيرها المشتتة .

وهكذا ساد خطاب ملغم، ارتفع عاليا فوق كل منصات التجمع والتظاهر، بدءا من ميدان التحرير في القاهرة، مرورا بساحات التحرير ببغداد وساحة الثورة بصنعاء، ومرورا باعتصامات مدن الموصل والفلوجة والانبار ، حيث احتلت الساحات عصب وجماعات لم تفكر بالتغيير الحقيقي المطلوب، قدر ما كانت تستعجل الوقت للسيطرة على كراسي الحكم، حتى ولو بالتعاون مع أجهزة وشرطة ومنظومات أمن وزارات الداخلية البائدة وبقايا الأجهزة المنية، وتحت رعاية وتنفيذ مؤسسات وقادة أركان جيوش الحكام الدكتاتوريين ووزراء دفاعهم .

وهكذا وتمت الانتخابات بحماية وإشراف كل هؤلاء المدانين من أتباع الحكام، شعبيا وجماهيريا، وتمت بكل جلاء لضمان الفوز لشخصيات وأحزاب الإسلام السياسي بواسطة التزوير وتوظيف المال السياسي، والتضحية بالحلفاء في الساحات واستغفال الجماهير العفوية واليائسة بشكل تأمري وخبيث، ذلك كله وأد الانتفاضات الشعبية في كل الأقطار العربية ، وحرم القوى القومية والعلمانية من فرصة النهوض وأخذ زمام المبادرة وقيادة الجمهور لغياب الكاريزما والشخصية القيادية المنتظرة تاريخيا، وبعدها فتحت الأبواب والفرص كلها لاكتساح مغول العصر من الدواعش للانتقام من تلك الجماهير المنتفضة، ودفعها نازحة ومهجرة ، خارج المدن في العراء، تنتظر رحمة المخلص لها من قوى الاحتلال وقوى التدخل الخارجي لحمايتها وإطعامها وعودتها إلى مدنها المسبية والمهدمة كأنقاض على العارض الخراب.

إن التركة العليلة الموروثة في حطام الخطاب القومي الذي بدا واهنا بكل الأحداث التي عرضناها بعجالة أعلاه ناجمة عن تراجع الخطاب القومي التعبوي الذي بدا مهتزا ومتراجعا ومشتتا بعد تعاقب الأحداث الدرامية المتعاقبة منذ حصار العراق الاقتصادي وعزله ومن ثم إتمام الإجهاز على نظامه الوطني في لحظة تاريخية وحاسمة في تاريخ العرب تم فيها غزو واحتلال العراق واحتلال العاصمة العراقية بغداد في التاسع من نيسان/ افريل 2003 ، كانت هناك حالة تعبوية أخرى لم يحسب حسابها أصحاب الخطاب القومي بأن كثيرا من جوانب الفكر القومي الشعبوي المتمسح بالأنظمة القومية السابقة لم يعالج مسألة اعتماد العلمانية وخطابها التحرري في إطار الإيمان الواعي لبناء الأنظمة السياسية العربية التي دعمها ونظر لها بقدسية ووثنية من دون أن يتجرأ على نقدها فعلا بموضوعية وشجاعة لتقويم مساراتها التي أخلت بما تعهدت به لشعوبها ولقواها القومية.

وللأسف فان الفكر القومي العربي العلماني وغيره، أصابه الوهن وهو في لحظة الترنح ، لازال يراوح في مكانه، ويتخوف من النقد المطلوب منه ، والذي بات تاريخيا وملحا وآنيا أيضا تتطلبه حالة التعبئة التي يحتاجها الشارع العربي بعد مرور جحافل الغزاة في أكثر من عاصمة قومية.

ولطالما أن تلك الأنظمة القومية تكون قد سقطت لأسباب عدة، خاصة، بسبب موجة التغييرات الخطيرة التي اكتسحت الوطن العربي، ومنها حالات التغيير ألقسري التي تمت بواسطة قوى الغزو والاحتلال وخلالها تمت إعادة الهيمنة الامبريالية من دون مقاومة تذكر على صعيد عدد من البلدان العربية التي وجدت فيها الجماهير انشغالات أخرى أهمها أخطار الحرب الأهلية والصدام الطائفي، ومحاولات فرض سلطات وقوى بديلة خاضعة بتبعية مطلقة للغرب وإيران ودول الجوار وتصاعد قوى الانفصال والتطرف والتجزئة.

وإذا كان الخطاب القومي ظل عاجزا في تخطي عتبات الوصول إلى جماهيره قوميا لأسباب عدة فانه أيضا بات مستهلكا قطريا وجهويا وإقليميا في مشرق الوطن العربي ومغربه، وهذه قضية باتت مستديمة يسودها الانتظار والتململ وغياب نهوض واضح للقوى الشعبية الطليعية .

وإذا كان الأمر في قضية التأخر في المراجعة لهذا الخطاب بسبب ظروف السلطات المهيمنة على الدولة ودكتاتورياتها سابقا مبررا لدى البعض ، فاليوم تلزم المصارحة الجميع بالاعتراف الصريح، بأنه كان يكمن في عجز الخطاب القومي العربي، بإمكانية المراجعة والتحليل النقدي مبررا بسبب تلك الظروف السائدة المرتبطة أساسا برغبة الحاكم العربي الفعلي، وليس بقرار النخبة القومية والوطنية المفكرة المحيطة به، أو تلك التي كانت تعتاش في ظل مؤسساته الحزبية والجماهيرية.

ومن أسباب تلك المراوحة أن الدول العربية التي تبنت الخطاب القومي العربي ظلت عاجزة عن تسويقه قوميا وقتها، ولأنها لم تكن ذاتها في حالة توافق تام ما بين توجهاتها القطرية والقومية وقناعات نخبها، وهكذا ساد خطاب النظام العربي الرسمي وعلى على صوت الخطاب القومي الشعبي العربي، رغم تعدد لهجاته في استهلاك الشعارات القومية ومضامينها، لكنه ظل لفظيا، ودون مستوى التحديات التاريخية المطلوبة منه، بسبب تمسكه بالسلطة وأعطياتها وانتظار الأوامر منها ، وتخوين الآخر المصطف في الجانب الأخر من الصراع القطري، واتهامه بما يتهمه الآخر من مواقف تتسم بالمزايدات في المناسبات القومية، كقضية فلسطين والأحواز العربية ، وقضايا أخرى تتعلق بالموقف من انجاز الوحدة العربية، والتكامل العربي، والحضور الدولي، والتحالفات بين المعسكرين الشرقي والغربي، ونوازع التوجهات الدكتاتورية لدى حكام الدولة القطرية العربية هنا وهناك.

وما لم يحترس الخطاب القومي من السقوط في أفخاخ الاستدراج عير العلمي للفصل بين " الروح القومية المؤمنة الخلاقة" ومثالياتها النظرية فان التوجه نحو خطاب قومي واقعي يكون واعيا في حالات الفرز الصحيح والتمايز بين منظورين احدهما بات تقليدي شعبوي، وآخر متخلف متمسك لفظيا بالإيمان وممارسات الدين وطقوسه.

هناك في الجزائر من يكرر مقولة (شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب) في محاولة توفيقية وردت في ظرف تاريخي عبر عنها مؤسس جمعية المسلمين الجزائريين الشيخ عبد الحميد بن باديس ، باعتبار أن شعار جمعية العلماء المسلمين في زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر كان ثلاثي الإبعاد للحفاظ على الوحدة الوطنية للشعب الجزائري المعبأ وراء قيادة جبهة التحري وجيش التحرير، وكان هذا الشعار متجانسا ومتجاوبا مع شعار الجمعية العتيد ( الإسلام ديننا و العربية لغتنا و الجزائر وطننا )، واليوم تلعب الأوساط الاستعمارية القديمة على وتر الفرقة والاحتراب من جديد بثارة لعبتها للتفريق ما بين كل ما هو قومي وعروبي وامازيغي في الجزائر ، في الوقت الذي يعتكف أصحاب الخطاب القومي بتنوعاته العروبية والامازيغية وراء موضوعات يتجاوزها الزمن والجدال المحتدم عن م قضية تدريس اللغة الفرنسية وإحلال اللغة الامازيغية وكتابتها بحروف لاتينية بدل الحروف العربية وكأن قطار التنمية وبناء الجزائر متوقف في محطة واحدة عند إشكاليات التدريس واللغة دون غيرها من الموضوعات ذات الصلة بالإرهاب وتهديد الاستقرار الاجتماعي والوحدة الشعبية والترابية للبلاد .

هل من فرصة خروج من هذا المأزق؟

من جملة عوامل التحنط والشرنقة والرضا الذاتي الشخصاني عند بعض المفكرين العرب وتوجهاتهم السياسية، هو الارتهان للتاريخ والحديث عن إمكانيات الإصلاح والنهضة دون الخوض في تفاصيل وآفاق تحقيقها وتحديد القوى الاجتماعية الفاعلة والقادرة على التغيير في كل مرحلة من مراحل النضال والكفاح السياسي والاجتماعي.

وبسبب غياب فرص التفاعلية والاستعداد للحوار القومي وتجاوز الحالة القطرية فان حالة الانغلاق هي السائدة. كما أن غياب فرص تحليل التاريخ العربي بما له وما عليه أدى إلى ضبابية التحليل وتحديد المواقف مما أدى إلى عجز وشلل في إرادة التغيير المطلوبة والملحة راهنا على الأقل.

وفي حالات المراوحة القاسية يسود ملل من مكانية المراجعة النقدية وتجاهل محاولات البعض في تفسير التاريخ ودور العوامل القومية والاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان البعض يهرب ظرفيا إلى إشاعة مبدأ التوافقية وإسقاطها ماضيا وحاضرا بتغليب ما يسمى العوامل الروحية لاستنهاض الأمة انطلاقا من محاولات يائسة لاستجلاب الصور الباهتة للماضي وجعلها بديلا للحداثة وما بعدها حيث تسود هذه الحالة من حولنا كعرب نعيش اليوم بين أمم ناهضة فعلا ونحن نتراجع في وحول التخلف.

لا بد من الاعتراف انطلاقا من فهم ومراجعة التاريخ العربي إن العرب لم يقيموا الدولة الدينية العادلة رغم التزامها شكليا وظرفيا بقيم العدالة انطلاقا من الفهم الجوهري للإسلام ودعوته.

الدعوة للإسلام وتطبيق منظومات الحكم باسمه لم تقدم على مدى التاريخ النموذج الذي يسعى البعض إلى بعثه . إن محاولات استنساخ مجتزئات من حالات الماضي هو محاولة انتقائية للاستهلاك ألظرفي وهي لا تخلو من وهم وغالبا ما يصيبها العقم والعجز والركود، وتتغلب عليها عوامل الردة أكثر منها عوامل النهوض.

لا بد من صياغة وعي قومي جديد، يجسد إرادة إنسانية لمواجهة العجز والتخلف والتجزئة. ومن دون عقول متفتحة متسلحة برؤية نقدية للتاريخ والتمييز التام والفهم لخصائص الموروث من جهة وقيم المسؤولية الجمعية التي تحمي الإنسان كفرد وعنصر في تشكيل المجتمع والقوم أيضا وصولا إلى تشكيل الأمة.

وما لم تخرج النخب القومية عن التفكير بمشاريع الإصلاح المتلازمة لأنماط من التفكير النمطي المحسوب على الفكر القومي العربي، ومن دون الشروع بلورة أنموذج عربي نهضوي يسهم في حركة التطور العالمي. لازال الكثير منا أسرى حالة من الوهن بالارتباط بقوانين وشعارات المراحل السابقة والتي تؤكد واقعنا العربي المعاصر استحالة ثبات المكان والزمان وحتى الوعي الذي يجب أن تتسلح به الأجيال الحالية والقادمة.

إن التمسك بتلك الرؤية التقليدية للتاريخ والمجتمع ستعرقل رؤية وتحديد المنظور الحديث للعلم حيال التاريخ نفسه والتطور الإنساني لان التعصب للافتراضات المسبقة في التفكير والاعتقاد بثبات المفاهيم أو ديمومة الظواهر يمنع ازدهار المجتمعات ويدفع نحو المزيد من الأزمات والصراعات في اطر البيئة الداخلية لهذه المجتمعات الماضوية، كما في إطار علاقتها مع البيئة الخارجية، حيث المجتمعات التي تبنت التحديث بشكل مشوه وعشوائي متخبط ومنها ما رفضت التقليدية النمطية فصارت مثلا يضرب به كحكاية مشية الحمامة والغراب.

القسم الثالث

خطاب الصحوات والإصلاح والتغيير إلى أين؟

ظهرت الصحوات الإسلامية وتكرر الكذب والوهم بها في العقود الأربعة خصوصا، ولا تخلو مواعيد الإعلان عنها عن أهداف مبيتة لها وضمن الاستهداف المنظم للفكر القومي وخاصة في الوطن العربي.

لقد أنتج العقل الماضوي ظاهرة ما يسمى " الصحوة الإسلامية" التي أخذت لبوس الدين والإيمان والتقوى تمظهرا وورعا لممارسة السياسة وفق منطق وأخلاق ميكافيلية وذرائعية لتحقيق أغراض مبطنة أخرى تختفي وراء جبة الإسلام وعمامته ولحيته وأشكال أخرى من طقوس مضافة بشكل مفتعل لتضيف نكهة معينة.

ولعل تبني الحركات الاسلاموية وأحزابها وواجهاتها بما يسمى " الخيار الديمقراطي"، كان من مفارقات البدع الحديثة المبتكرة للدين الذي تخلى ظاهريا عن مبدأ البيعة والشورى وتقليد الإمارة على شؤون المسلمين في الدولة وحتى ما دونها من بنيات تنظيمية بمستوى أحزابهم وحتى فلول جماعاتهم الإرهابية منها وتحالفاتهم الاسلاموية المبتكرة.

يبدو وكأن هذه الجماعات تخلت وأدارت الظهر لمبدأ الشورى وحكم الجماعة. يلاحظ ذلك من خلال الحملات الانتخابية التي قامت بها هذه الجماعات فأكدت قدراتها على التعبئة انطلاقا من المساجد ودور العبادة واستغلت الفتاوى والمرجعيات وبدعم سخي، مالي وإعلامي، يوظفه لها المال السياسي القادم من مختلف مصادره الأجنبية، والموظف بشكل جيد لإنجاح حملات الانتخابات والفوز بها بكل الوسائل البراغماتية والنفعية والمضللة أيضا باسم الدين.

وتبقى شعارات الفضيلة والدعوة إلى الإصلاح والصحوة والاستبصار والتعبئة الجماهيرية تطلق في كل مكان باسم مؤسسات تدعي أنها تواجه:

(الظلم والفساد وقمع الأنظمة السياسية القائمة والدعوة إلى تغييرها... الخ. )، وهي في الحقيقة مؤسسات حملت كل المظاهر والأمراض التي تدعي أعلاه مواجهتها للوصول إلى السلطة، كغاية ووسيلة للحكم لا غير.

ومع ظهور الدولة العربية المعاصرة ، ترسخ معها عبر العهود خطاب تبريري يخدم توجهات السلطة الحاكمة لا غير، غالبا ما اتسم بتراجع العقلانية والمنطق المقبول وحتى الإقناع للرعية والمواطنين في هذا البلد أو ذاك.

يفترض ان من مهمات الدولة العربية المعاصرة التي ظهرت سلطاتها منذ استقلال العراق في عشرينيات القرن الماضي وما بعده من استقلال أقطار عربية ان تقوم هذه الدول الفتية وسلطاتها بالعمل على تحرير الإنسان من تركة قرون التخلف العثماني، وسيادة الروح العشائرية والقبلية، والانخراط في مواطنية هذه الدولة العربية أو تلك من خلال إقامة نظام مدني يتمثل بدولة القانون والمؤسسات والحقوق واعتماد انتماء الفرد إلى دولته من خلال المواطنة التي تكفلها القوانين والتشريعات الدستورية وقيم العدل والمساواة.

لقد تم تجاهل خصائص الدولة المعاصرة في العالم، وهي نتاج تطور ثقافي واجتماعي يجب ان تقوم على مبدأ أساسي بالفصل ما بين الديني والسياسي.

وقد واجه تشكيل الدولة العربية من ظهورها والى اليوم عجزها ان تكون دولة دستورية فعلا، تحكمها مبادئ تجسد الحالة الوضعية للقانون والواقعية السياسية والاجتماعية، فقد ظلت أسيرة التأرجح بين الديني والسياسي ، ولم تتمكن من التخلص من تكرار عبارة : " الدين الإسلامي مصدر القوانين والتشريعات"، وهي عبارة مطاطة نسبية تلاعب بها المشرعون وكتاب الدساتير، بسبب عدم الإدراك التام وانعدام الوعي للمعنى الحديث لوظيفة الدولة.

وفي الواقع ، يبدو للعامة من الناس أن لا خلاف أو تعارض أو تقاطع بين الدولة والدين، سواء كانت الأغلبية المطلقة للسكان إسلامية أو بنسب معينة.

المشكلة هنا تتمثل عميقا بين طبيعة العقل والسلطة الحاكمة، حيث يميل العقل لتوظيف أدواته الدينية أو الوضعية لتكوين الطابع العام للسلطة، استبدادية كانت أم ديمقراطية.

كما أن التخلف السائد في الحياة العربية يتسع منذ أن سادت روح الاتكال والقدرية وقبول الأمر الواقع ، ورفض صيرورات التقدم وارتفاع معدلات الجهل والأمية؛ مما يدفع الكثيرين إلى وضع الإيمان طريقا وخلاصا نحو الظفر بالجنة في السماء ولو على حساب تدمير الحياة على الأرض.

ان طرح مفهومي " الأمة الإسلامية" بدلا من الإقرار بوجود " الأمة العربية" هو جوهر التناقض في لب الخطاب الاسلاموي الذي يسعى إلى لي الحقائق عن طبيعة تكوين الأمم وظهور القوميات الكبيرة منها والصغيرة وتواجدها في أوطان محددة لها في أقطار معينة وانتشارها في بقعة محددة في هذا العالم .

فمفهوم " الأمة الإسلامية" يعني في الخطاب الاسلاموي هو " الدين المشترك" ، وفي مضمون أصحاب هذا الخطاب وحسب المبدأ والآية الكريمة : ( إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، وهذا مبدأ الهي حكيم، ويستحقه أصحابه من المتقين والمؤمنين ؛ لكن معايير قياس التقى على الأرض لا يجب أن يقوم بها بشر بدل الخالق.

وانطلاقا من فهمهم إن الأمة الإسلامية هي جامع مطلق وحصري لكل أصحاب الدين المشترك على بقعة / بقاع هذه الأرض الواسعة فان المفهوم يأخذ جانبا طوباويا من الصعب حصره وإدارته في نظام أو دولة أو سلطة وحتى في إمارة معينة لهؤلاء المؤمنين بشخص الحاكم/ الخليفة.

ولهذا فإن دعاة الأمة الإسلامية يسعون لتشتيت الروابط العرقية والاثنية والانتماء القومي، مما يؤدي نتيجة منطقية إلى تدمير المشاعر المشتركة التي تربط جماعات بشرية مشتركة تم تحديدها علميا بتعاريف مثبتة في العلوم الاجتماعية وعبر نظريات رصينة حول نشأة الدول القومية بوضوح، تحكمها تواجد وتوافر عدة عوامل وروابط منها: اللغة والوطن والثقافة والانتماء الحضاري والتاريخ المشترك، ويضاف إليها عوامل أخرى كالدين بدرجة ما ، وكذلك المصالح الاقتصادية، حسب التعريف الماركسي الأخير الذي اعتره عامل ومحرك أساسي في التكوينات والتشكيلات القومية المعاصرة .

إن عوامل التلاقح بين الدين والقومية في عملية تفاعلية طويلة تحكمها وجود الدولة لعصور وأزمان لتسهيل عملية الاندماج والتطور المشترك دون تغلب عامل على آخر؛ فقدسية الدين تبقى، تحكمها نظرة الفرد وسط جماعة تشاركه المعتقد بالتوجه معاً إلى السماء لإظهار الطاعة طمعا برضا الله واكتساب عفوه ورضاه وثواب الآخرة.

أما الانتماء القومي فتحكمه نظرية واقعية مُعاشة على الأرض، تكسب الفرد قناعة بالانتماء إلى منظومة بشرية تربطها عوامل الارتباط القومي لتشكيل عائلة وقبيلة ومجتمع متعدد القبائل وصولا إلى حالة ظهور مجموعة متجانسة ثقافيا لتشكيل قومية أو امة معينة، وليس بالضرورة تجمعها روابط عرقية مجسدة في نقاء العرق والدم المشترك، إن العوامل الثقافية والعيش المشترك دفعت مجتمعات معينة إلى الظهور وكأنها قومية؛ كما هو الحال في فهم العروبة عند كثير من أبناء الأعراق الأخرى المتعايشين لقرون مع العرب فتشاركوا في ثقافتهم وانتموا إلى حضارتهم العربية الإسلامية المشتركة.

وما في تباين وإدراك هذين المفهومين تحدث المواجهة بين ما هو قومي وديني، وفي غياب قيام الدولة القومية القوية، غالبا ما كان مصدر تلك المواجهة هي تلك الحركات والنماذج والفرق والنحل المتطرفة في الدين وحتى في حالات القومية والاثنية التي تحاول تسييس الإسلام وتبني إستراتيجيتها على نبذ الفكري القومي وشيطنته واتهامه بالعنصرية؛ في حين كانت العلمانية ملاذ بعض القوميين لنصح الناس ودعوتهم لاجتناب التطرف وحتى التعصب القومي والتمييز الدقيق والعلمي بين الدين والسياسة، من خلال تذكير شعوبهم بان لهم حقوق في ممارسة الطقوس والقيام بالواجبات الدينية والدنيوية كحقوق مشروعة للفرد تكفلها لهم المجتمعات الواعية والدولة .

وفي خضم الجدال المحتدم اليوم بسبب تركة ممارسات الأنظمة المحسوبة على الفكر القومي من خصومها سياسيا وما يتعرض له القوميون من ممارسات الأنظمة والحكومات والجماعات الإسلامية والثيوقراطية فلا بد على الجميع العودة إلى المنطلقات الأساسية في فهم وظيفة وقيام الدولة المعاصرة ، لا على أساس الطراز الديني، ولا العرقي باعتبارها دولة تسلط قوم على أقوام أخرى؛ بل انطلاقا من أساس الرابطة الوطنية التي تجمع أفراد مجتمع ما وخضوعهم طوعيا وبأيمان مشترك تحت سلطة ما، وفق عقد اجتماعي مقبول .

وانطلاقا من تجارب دولية وأوربية معاصرة تتجلى في ظهور الدول القومية في عدة دول كألمانيا وروسيا وفرنسا وبولندا وغيرها، فان الدولة القومية وفق أنماط التسيير الديمقراطي لا تلغي خصوصيات الشعوب والجماعات الدينية آو والاثنية داخلها لأنها تتوجه إلى انجاز وظائف متعددة في مجتمعاتها وتترك للشعب أفرادا وجماعات الانتظام والنشاط في أحزاب وحركتها يحكمها دستور وقوانين لتنظيم العلاقة التنافسية للوصول إلى السلطة .

إن العبادات في الدولة الحديثة وممارساتها حق مكفول وطنيا ودوليا وفي كل الأحوال يجري التعامل معها كمسألة إنسانية بحتة مرتبطة بالفرد المنتمي إلى مجتمع وجماعة بشرية تشكل رعايا أو ساكنة تلك الدولة.

كما أن الدولة الوطنية أو القومية المعاصرة لا تتقاطع في مهامها تجاه حقوق مواطني مجتمعاتها وعليها أن لا تغرق بأية حالة دينية ، أي إنها نرعى حرية الأديان في مجتمعاتها من دون تدخل أو وصاية أو استغلال أو توجيه مؤسساتي أو سياسي وعليها الحذر من التدخل التخصصي الفئوي وتحترم بصرامة تامة مبدأين هما:عزل الدين عن السياسة والابتعاد عن التعصب الديني أو الطائفي أو المذهبي.

والرابعة والخامسة

ــ للدراسة والبحث مصادر ومراجع والحالات وهوامش

 

 

 

 

أضف تعليق

الاكثر قراءة